قصائد العشق الأبدي في مدح الحافظ الأسدي

في رحلة الإفراج عني من سجن صيدنايا في عام 2001 كان لابد من الوقوف في السجن العسكري الأول في القابون التابع للشرطة العسكرية، ريثما يتم تسليمي أصولًا للشرطة العسكرية في موقع الكسوة.

قام المساعد بتفتيشي بشكل دقيق بحثًا عن أي قصاصة ورقية تحوي أسماء أو معلومات أو ذكريات، وعثر معي على قصاصات ورقية كتبتها عندما كنت في الأمن العسكري، وقام بتمزيقها أمامي وأدخلني النظارة لأبيت آخر ليلة لي في السجن، وكنت أدندن اغنية أم كلثوم “أغداً ألقاك يا ويح فؤادي من غدي” بانتظار أن يمر ما بقي من اليوم وينبلج الليل وتشرق شمس الغنية الست نجوى كرم وأعود لحريتي أخيراً.

مضت ساعات وأنا مرمي وحيداً في الزنزانة أحاول ان أمضي الوقت مسترقاً السمع لما يحصل في هذا المكان المزدحم الصاخب، صياح وصريخ ونهر وأوامر وسباب وشتائم أغلب الأحيان يتخللها لحظات هدوء بين الفينة والأخرى، ثم عواء الموقوفين المعتقلين لفرارهم من قطعاتهم العسكرية، أو من تجاوز فترة الإجازة الممنوحة له، فكانت تبدأ الفلقة بعبارات الرجاء والأيامين الغليظة وتنتهي بصراخ أقرب لعواء وبكاء هستيري ثم عبارة “هات غيرو، مين ابن الشرموطة يلي بعدو”.

في الساعة الثامنة مساء تقريبًا انفتح باب الزنزانة ودخل علي ضابط وحدات خاصة معتقل لأن أحد عناصره قضى مصلوبًا، لأن الرقيب المناوب عاقبه لتأخره عن الالتحاق بالقطعة، كان اسمه عمار الجرف والذي قتله أبناء مدينة القصير في 2011 لاحقًا عندما سيطر أهل القصير على مدينتهم حيث كان عمار الجرف يومها رئيساً لمفرزة الأمن العسكري.

تبادلنا أطراف الحديث ومظلوميته وظلم الجيش وأخت الجيش وسما الجيش، وبعد قليل دخل علينا اثنان من صف الضباط  (برتبة مساعد أول) من الإدارة السياسية معتقلين لتغيبهم عن المناوبة قبل ليلة، وجلسنا نتبادل معلومات الجغرافية السورية والمشروب المفضل لكل مدينة، ولأجل حظنا السعيد كان أحد الموقوفين من الإدارة السياسية شاعراً بالفطرة من قرى طرطوس، وهو الشاعر المسؤول عن تأليف أبيات العتابا في مديح حافظ أسد سابقاً وبشار الأسد في حينها لبرامج حماة الديار حينها.

إقرالكن قصيدة؟ هي إلفتها بتجديد البيعة للسيد الرئيس الخالد حافظ أسد، فقلنا له قل يا طويل العمر، وانطلق بأبيات شعر حقيرة مكسورة الوزن سخيفة عدا عن كونها قصيدة في مديح الظل العالي لحافظ أسد، مثل:

يا حافظ أسد يا سليل الإمامين    البحر قدامك والجبل وراهيييين

كنت بدي قدم إجازة ولاكين    انتخابك بالدم واجب يا أسد العرااااااااااب

  وانتهت المعلقة أخيراً وانبرينا نتلوا عليه عبارات الإعجاب ويسلم هالتم وتعيش ويرحم القائد الخالد.

قصيدة تلو القصيدة، ابتعد المستمعون عن الشاعر، وبقيت أنا المستمع الوحيد، وكلما حاولت الابتعاد أمسك بي وقال “ليك ليك هالقصيدة تذكرتها هي للدكتور بشار سماع سماع”، وبقي الأمر على ذا الحال حتى قرابة الواحدة ليلًا، فدخل أحد مساعدي الشرطة العسكرية للزنزانة وألقى السلام علينا، فبادره الشاعر بعبارة “ليك ليك هالقصيدة للدكتور بشار سماع بشرفك”، فوقف المساعد يسمع وأنا أهز الرأس وأبدي بعض عبارات الآه والياسلام واليا عين ويا ليل، فباغتني المساعد السجّان وقال لي: “هنت شو خصك؟ هلق صرت تحبو للسيد الرئيس؟ وهنت التاني ما بتعرف إنو هادا أخوان مسلمين (أي معارض هو أخوان مسلمين حتماً)، هادا موقوف سياسي ومسرّح من الخدمة وبدنا نسلمه موجودًا لقطعته بكرة الصبح، وقفلي هالشعر وناموا لشوف”، ثم التفت إلي وقال: “هنت دير وجهك عالحيط واندفس”.

ساد الصمت، ونظر المساعد الطرطوسي الشاعر إلى سحنتي بنظرة لن أنساها ما حييت، وقال: “شو بدي قلك ما بعرف، بشرفي هنت قليل ذوق أقل شي، تيركني قلك كل هالقصايد وهنت أخوان مسلمين؟ الله يحرقوا لمعتقدك، بشرفي وجعني راسي، لعما في قلبك ما أوقحك”.

درت وجهي للحيط وغطيت حالي بالبطانية وأنا عم غالب الانفجار بالضحك، المشهد سريالي للغاية، ونظرات وجه المساعد الشاعر محفورة بذاكرتي حتى اللحظة.

وكنت بدي قدم إجازة ولاكييييين        يلعن روحك يا أسد العراااااب

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

Loading Facebook Comments ...