سمير جعجع والمُعارض السوري “الجبان”

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

بالنسبة لطبقة واسعة من المُعارضين السوريين المُنخرطين في الشأن السياسي السوري العام، فأنه ثمة في داخله نزعتان مُتصارعتان تجاه زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع، تجاه شخصيته ومواقفه السياسية:

تقول النزعة الأولى: جعجع شخصية سياسية لبنانية وإقليمية استثنائية في موقفها وموقعها من مسألة السوريين، ومن النِظام الشمولي الذي يمحقهم دون هوادة. سياسياً، يعتبر جعجع النِظام السوري وأمثاله أُس المُعضلة السياسية في المنطقة، فجعجع كان وما يزال يعتبر أن الأنظمة الديكتاتورية، التي مثل نِظام الأسد، هي التي اختلقت وراعت الأوحال التي تُغرق مُجتمعاتنا ودولنا، وأنه لا حل مع مثل هذه الأنظمة سوى بتفكيكها وتحطيمها التام، واستبدالها بأنظمة وبُنى ديمقراطية، أكثر رحابة ومنحاً للحُرية لشعوبها، أياً كانت “الأضرار” والأثمان الأولية التي يجب أن تُدفع ك”كفارة” لذلك التحول التاريخي من الأنظمة الشمولية إلى نظيرتها الديمقراطية.

تتابع تلك النزعة الأولى سرديتها وتقول: فوق ذلك، فأن جعجع، كان وما يزال، زعيماً سياسياً مسيحياً استثنائياً في علاقته وموقفه من مسألة “حلف الأقليات”. فايدلوجياً وسياسياً، بقي جعجع وتياره السياسي يعتبرون أن نزعة “حلف الأقليات” أنما هي جوهر وديناميكية سياسية لاختلاق الحروب الأهلية التي لن تنتهي في المنطقة. فهي تحوّل التناقضات السياسية، الكثيرة في منطقتنا، تحولها إلى تناقضات هوياتية وأهلية، دينية وطائفية أولاً، وتمنع عنها أي تغيير أو تطوير. وهي من جهة أخرى أنما تدفع الكُتلة الديموغرافية الأكبر من سُكان منطقتنا، العرب السُنة، لأن يتمركزوا حول ذواتهم، كردة فعلٍ لما يعاينون ويعانون من تحالف أهلي وسياسي مُناهضٍ لهم، تحالفٌ مُتخالف فيما بينه على كُل شيء، لكنه متوافقٌ ومُجمعٌ على مُعاداة هذه الكُتلة السُكانية الأكبر. كان جعجع يرى في ذلك أُساً أولياً ودائماً لتحطيم أي تحولٍ قد يطرأ على شكل العلاقات السياسية بين الجماعات الأهلية والحياة السياسية العامة في منطقتنا.

في كُل ذلك، كان جعجع يُلاقي هذه الكُتلة الأساسية من المُعارضين السوريين في قضيتهم، قضيتهم التي هي تقريباً كُل حياتهم.

لكن النزعة الأخرى تجاه سمير جعجع تقول لنفس المُعارض السوري: جعجع زعيمٌ ميليشوي لبناني، شارك في الحرب الأهلية اللبنانية، صارع الجيش السوري والفصائل الفلسطينية واللبنانية طوال السبعينات والثمانينات، تلك الفصائل التي كانت تسعى لأن تُهيمن على الدولة والحياة العامة في لبنان، وأن تحول ذلك البلد إلى ملعبٍ لتفريغ شُحنات العنترية الفائضة. في سياقِ ذلك، تتابع تلك النزعة وتقول للمُعارض السوري: لم يكن جعجع وتياره السياسي جزء من سوق عكاظ القومي والإسلامي، لم يُلاقي تعطش الجماهير للشعارات الهدارة والأخوة المُختلقة، لم يخطب يوماً بقداسة قضية فلسطين ورِفعة العرب على غيرهم من الشعوب، ولم يُمانع الاشتراك في قوات ميليشيوية ذات علاقة مع الكيان الإسرائيلي.

***

جرى كُل ما جرى، تحطمت حيوات السوريين وكُل أسباب بقائهم، الفيزيائية والروحية على حدٍ سواء، أثبتت شعارات ووعود الأحزاب والأنظمة القومية وخُطب الجماعات الدينية والطائفية خوائها، وأنها على حِساب دم السوريين ومُستقبل أبنائهم أولاُ، تنازل الكثيرون عن موقفهم من الأسد  وجرائمه، خانت الدول الإقليمية والقوى الدولية الشعب السوري، ولم تُقدم له أي شيء، وعاد أغلبهم للتنسيق والتآلف مع نِظامه، أثبتت الأحداث التي عايشها وتذوقها السوريون بمرارة، أثبتت أن الكثيرين قد ينجروّن، مثلما حدث مع جعجع وأمثاله من زعماء المليشيات المسيحية، قد ينجروّن للتنسيق مع الشيطان نفسه، وليس إسرائيل فحسب، لحماية أنفسهم ومُجتمعاتهم وجماعتهم من المحق التام، جرى كُل كُل ذلك، وأعتذر سمير جعجع بشكلٍ استثنائي عن الكثير مما فعله أثناء سنوات الحرب، وكان الزعيم السياسي اللبناني الوحيد الذي أُدخل السجن، ومع ذلك لم يستطع ذلك الوسواس الثاني أن يُغادر ذهن وخيالات المعارض السوري.

المُعارض السوري يحبُ جعجع، وأمثاله القليلون، يُحب مواقفهم الجذرية من النظام السوري ورفضهم المُطلق لتحالف الأقليات وتضامنهم الوجداني الصميمي التام مع مأساة الشعب السوري. لكن نفس المُعارض السوري، كان وما يزال خاضعاً لابتزاز طروحات وخطابات النِظام السوري في القومية والممانعة والتصدي والصمود.

لا يتجاسر ذلك المُعارض الجبان على تجاوز الصرح الفظيع الذي بنته الأسدية في ذاته، راكمته لسنوات وعقود، واستخدمت في سبيله جيوش جرارة من الشعارات والأغاني والمناهج التربوية ووسائل الإعلام، اوهمته بأن الصلاح الروحي والوجداني أنما يكمن في البقاء التام والناجز في خانة الخطابات الرنانة والشعارات الصاخبة،  في احتكار الوطن والوطنية، واستخدام التخوين والتعميل كأداتين وحيدتين لs,فهم وفصم المواقف من الآخرين.

ليس سمير جعجع وحيداً في ذلك الأمر، لكن المثال الأكثر وضوحاً ودلالة على ذلك التباين البيّن بين فداحة ما يعيشه السوريون من جريرة تلك النزعات القومية والوطنية النضالية الجوفاء، ومن سوء قُدرتهم وجسارتهم على هتكها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...