استحواذان سوريان، طائفة النِظام وطائفة الدولة.

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

لنتخيل أن المحاذير الأخيرة لنائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، حول صعوبة بقاء سوريا “دولة موحدة”، لنتخيل أنها قد وصلت إلى ذروتها، واتفقت القوى الدولية على أن الحل في سوريا يكمنُ في تقسيم سوريا إلى عدة دويلات، أما مُستقلة أو فيدرالية فيما بينها. واستقرت هذه الدول على أن تستفتي الشعب السوري على هذا المشروع، وحيثُ غالباً ما ستكون هذه الدويلات السورية العديدة ذات هويات طائفية وقومية ومناطقية.

لنحاول أن نتخيل ردة فعل وخيارات المُستفتيين السوريين حول ذلك المُقترح، اجابتهم حول الموافقة على تقسيم سوريا إلى دويلات مُتعددة، مستقلة أو متحدة فيما بينها، كحلٍ لإيقاف الحرب في سوريا.

أغلب الظن أن نسبة معقولة من القواعد الاجتماعية السورية سوف تصوت بنعم لهذا الاستفتاء، لكثير من الأسباب، على رأسها فظاعة ما فعلته الحرب بكُل تفاصيل حيواتهم، من قتلٍ وتشريد وتحطيمٍ، حتى صاروا يفضلون إيقافها على أي شيء آخر، بما في ذلك تقسيم ما سُمي “بِلادهم”.

على أن النسبة الباقية، من الذين سوف يرفضون هذا المُقترح، فأنهم موزعون على حيزين مُتباينين، لكُل واحدٍ منهُما ما يعتقده “أسبابه الوجيهة” لرفض هذا المُقترح.

الذين يُمكن تسميتهم ب “السُلطويين”، هؤلاء الذين يتمركزون حول السُلطة، باعتبارها طائفتهم الطاغية، التي تؤمن لهم مستوى عالٍ من الهيمنة والاستثناء، الذين يتمايزون عن غيرهم من المواطنين بما توفره لهُم السُلطة من موارد مادي، في مُختلف مناحي الحياة العامة، هؤلاء الذين يعتبرون السُلطة رأسمالهم والبلاد، بكل ثرواتها، هي ما يستثمرون بها هذا الرأسمال.

يعترض هؤلاء على أي تقسيمٍ للبلاد، لأن ذلك يعني قصم جزء مما يعتبرونه ملكهم ومجالهم الخاص، حيث تعتريهم مشاعر وأفكار استحواذية عميقة، لا يتقبلون معها أية شراكة أو نقصان مما صاروا يعتبرونه ملكهم الخاص. طائفيو السُلطة في سوريا متأتون بأغلبيتهم من  طائفة سورية بعينها، تتراكب في ذواتهم العلاقة المُعقدة بين انتمائهم للسُلطة وانتمائهم للطائفة. يرفض هؤلاء التقسيم أو أي شكل دستوري لتوزيع السُلطة بين الجماعات الطائفية أو القومية السورية، لأن ذلك يعني الخفض من سُلطة طائفتهم وتحطيم طائفية سُلطتهم.

بقولٍ أكثر وضوحاً ومُباشرة، فأن رفض هؤلاء لإعادة ترتيب شكل الكيان السوري، بما في ذلك التقسيم، متأتي من إحساس مادي بامتلاك البلاد وما بها ومن عليها، امتلاك لا يقبلون أية شراكة أو مقاسمة مع أي أحد.

الحيز الآخر من الرافضين، فأنهم هؤلاء الذين يعتبرون انفسهم مالكي سوريا الرمزية، المتشربين بأبعاد ايدلوجية وثقافية وسياسية تعتقد بأنه للكيان السوري مجموعة من الخصائص والهويات والسمات المُحددة، وأن أي تقسيم أو حتى توزيعٍ دستوري للسُلطة في البِلاد، أنما هو مسٌ بهوية البِلاد وسمتها وخاصيتها الكيانية، بلادهم وكيانهم.

  يعرف هؤلاء أنه في الكيان السوري الكثير من السوريين ممن لا ينتمون ولا يملكون اعتباراً لما يظنونه هوية المُجتمع والكيان السوري، الطائفية والقومية. لكنهم يحسون ويعتقدون بأن شكل الكيان السوري الراهن وشكل الحياة العامة فيه حسب صيغته الراهنة، أنما يوفر قُدرة استحواذية لهوياتهم الأهلية على غيرها من الهويات السورية.

يعتقد هؤلاء بأن اشكال التقسيم أو تقاسم السُلطة الواضح بين الجماعات السورية، إنما يعني تحطيم حلقة الاستحواذ تلك، شيء سُلطوي رمزي وعقائدي مُطابق لنظيره المادي الذي في الحالة الأولى.

ينتمي هؤلاء السوريون إلى طائفة وقومية سورية بعينها، يعتبرونها طائفة وقومية الدولة السورية الحديثة، الدولة القادرة على فرض هويتها الطائفية والقومية على كافة أبناء الجماعات السورية من الذين لا ينتمون لهذه الطائفة أو القومية، حسبما يعتقد هؤلاء. لأجل ذلك بالضبط، فأنهم يعتبرون تقسيم سوريا، أو حتى إعادة توزيع السُلطة فيما بين الجماعات الأهلية التي بها، أنما هو قصم لما يشعرون بأنهم يمتلكونه.

ليس القصد من وراء هذه المُحاكمة العقلية القول بأن الحل أنما هو بتقسيم سوريا أو التوزيع الواضح للسُلطة بين جماعاته الأهلية، بل التوضيح بأن القضية الاستحواذية –أذا جاز التعبير- عميقة ومركبة في سوريا، وأن إعادة السلام الاجتماعي إلى الكيان السوري، أياً كان الشكل الذي يجب الاتفاق عليه لأجل تحقيق ذلك، يتطلب الكثير من اشكال التنازل عن الاستحواذ. أوليست الثورة هبة المُستحوَذين في وجه المُستحوِذين.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...