في البرزخ – مذكرات كانت ممنوعة 11

تحول كتير من الأحياء السورية لحدود فاصلة بين الموت والحياة، بين الحصار وبين الحرة، بين الجوع وبين الأكل… تحولت كتير من المناطق لمعابر موت حقيقية يلي بيقعها بحط روحوا ع كفوا وبيمشي

بحلقة اليوم من #مذكرات_كانت_ممنوعة ح تحكيلنا سارة بمذكراتها كيف وصلت ع حلب لتدرس دامعة، وكيف عبرت من معبر الموت يلي بيفصل بين حلب الشرقية والغربية.

مذكرات كانت ممنوعة الإثنين ضمن فترة الحكايا ابتداءً من 08:30 بتوقيت سوريا على سوريالي.

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

حياتنا ماشية على نفس المنوال من وقت خروج الرقة من تحت سيطرة النظام، قصف موت ودمار.

الفصائل عم تصفي بعضها وكأن من وقت ماخلقوا حربهم ضد بعض مو ضد النظام.

هالشي أعطى الفرصة لفصيل داعش أنه يتمدد أكتر وأكتر ويركز حاله ويعشعش بين الناس، والطبيعي أنه كتير كتائب صغيرة انضمتله لتحمي حالها أو لتحصل على شوية  سلطة على المدينة وتشارك الغنيمة.

الناس المدنيين هنن يلي عطول رايحين بين الرجلين عايشين برعب حقيقي، الخوف ظاهر بعيونهم الكل والحذر سيد الموقف.

هالحياة الغريبة واللاطبيعية ما منعتنا من أنه نكمل دراستنا مشان امتحانات البكالوريا أنا وأختي ريتا بلشنا نحضر حالنا لنروح عالحسكة، المكان المقرر للامتحانات.

هي أول مرة منطلع فيا باتجاه مناطق النظام، مابعرف كيف رح يكون الوضع ولا قادرة أساسا أتخيله، الكل خايف أنو النظام يستغل هالفرصة لينتقم من أهل الرقة وياخد شبابها عالمعتقلات.

هالخوف شفته بشكل كبير بعيون بابا وماما، هالعيون يلي كانت موجودة طول حياتنا لتأمن طرقاتنا يلي بنمشي فيها بهالحياة وتحمينا من أي خطر ممكن تشوفه، اليوم مضطرين يمشوا معنا على طريق الخطر وبدون قدرة على حمايتنا.

بنص الشهر السادس وبنهار صيفي حار جدا، ودعنا أخواتي بالبيت وتوجهنا أنا وريتا وماما وبابا باتجاه منطقة الكراجات، باستعجال واضح ودعنا بابا وتوجهنا عالباص ونحن عم نحاول أنو ما نعطي لهل اللحظة أهميتها، وكأن عم نقله ما مشكلة هنن عشرين يوم ومنرجع وكلشي رح يمشي منيح وما في داعي للقلق.

الطريق على الحسكة كان طويل رغم قصر المسافات، شمس حزيران يلي عم تدخل من الشبابيك والوهج يلي عم يحرق وجوهنا عطاني إحساس أنو نحن رايحين على جهنم موعلى الحسكة.

وصلنا على الحاجز الوحيد للنظام بين الرقة والحسكة، خيم الصمت بالباص كله, الكل حابس أنفاسه وخايف من يلي بده يصير وعم يدعي أنه ما يتشييك على هوياتنا.

على ما يبدو أنه بعجقة الطلاب الداخلين على المدينة الأمن ما عم يدقق، كان مأمن أن يلي جايين كلهم طلاب أو يمكن شركات الباصات هي يلي عم تدبر الحواجز يا بشوية مصاري يا بكم كروز دخان لتمشي أمور الركاب بسرعة، بس طبعا هاد مابيعني أنو ماصار في حالات اعتقال وضرب لبعض الطلاب حسب مزاج العساكر يلي على الحاجز.

عدينا الامتحانات بخير وسلام بدون أي إشكاليات، طبعا أغرب امتحانات ممكن أعملها بحياتي بس المهم مرّت على خير ورجعنا عالرقة وعلى حياة الانتظار.

طلعت النتائج وأجتنا قبولات بجامعة حلب، أنا طب أسنان وأختي طب بشري، فرحة أهلي ما بتنقاس لا بميزان ولا بقبان، وأخيراً شوية أخبار حلوة بدل أخبار الموت اليومية.

بس المشكلة أن الأخبار الحلوة خلقت نزاعات بين أبي وأمي بخصوص نزلتنا على حلب، أبي يلي صح متخوف من هالمدينة بس بنفس الوقت بدو يانا نسافر، وأمي يلي ما عم تقدر تقاوم عواطفها الأمومية وعم ترفض نزلتنا رفض قاطع.

القرار العقلاني هو يلي مشي بالآخر، ما كان ممكن نوقف دراستنا بسبب كل شي عم يصير، كان لازم ننزل متلنا متل كل الطلاب يلي بصير عليهم بصيرعلينا.

أجت لحظة الوداع الأخيرة بكراجات الرقة، كنت برفقة أمي و أختي ريتا وبابا، بساحة الكراجات يلي بيطل عليها بناء ضخم من جهة الشمال كان مركز ثقافي قبل ما يستهدفوا الطيران بصواريخ حولت مكتبتو الغنية لرماد، آلاف من الكتب كانت عم تحترق وجبهة النصرة المسؤولة عن سيارات الإطفاء واقفة عم تتفرج بدون حتى ما تحاول تنقذ يلي ممكن إنقاذوا من الكتب.

بعجقة المكان وفوضويته بين كل هالعالم يلي عم تودع بعضها كان بابا عم يحاول يخفي قلقه وخوفه، وعم يحاول يظهرلنا أنه مافي شي بيخوف بسفرتنا يلي مليانة مخاطر، ابتسامته يلي مرسومة إجباري على وجهه كانت بس لتطمينّا ومواساتنا بلحظة الوداع.

بهاللحظات الأليمة بلتزم الصمت بتحول لشخص عاجز عن النطق، كنت بعرف أن موعد الرحيل قرب وصار لازم نطلع على الباص، ودعت ريتا بابا وإيدها يلي معلقة برقبته عم ترفض تتركه، قربت لعنده وأنا بعرف أني أضعف من أني أمسك دمعتي، ضميته وتركت دموعي تحكي، ياريتني ضليت ضاممته طول العمر, يا ريت بس بشو عاد تنفع كلمة يا ريت.

ودعت ماما كمان، التنين كانوا عم يحاولوا يكونوا متماسكين، بس عيونهم كانت عم تفضح كلشي.

ومع هالجملة انتهى الوداع وركبنا بالباص:

“توصلوا بالسلامة حبيباتي، الله يكون معكن”

وصلنا لمدينة حلب،هالمدينة يلي فكرت حالي بعرفها من أنا وصغيرة كانت مختلفة تماما، شوّهتها المعارك ومحت الحرب كل ملامحها القديمة واستبدلتها بأشباه أبنية وأنقاض بقيت دليل على همجية النظام.

بصيف 2012 قسمت الحرب المدينة لمنطقتين، الشرقيّة الخاضعة لسيطرة الثوار وهي المنطقة يلي وصلنا أول شي عليها، والغربيّة الخاضعة لسيطرة النظام.

كراج الحجز المعروف “بمعبر الموت” وهو البرزخ بين هالمنطقتين، هو ممر موت وحياة.

بهالمنطقة ورغم كل العجقة الموجودة، ريحة الموتُ هي الأكثر حضورا خاصة بوجود قناصي بناء البلدية وفندق الأمير ومبنى الإذاعة بحلب الغربيّة يلي بيتنافسوا كل يوم على قنص أرواح الأبرياء، ذنبهم الوحيد أنه عبروا هالبرزخ.

بحي بستان القصر يلي بيشكل بوابة المعبر بحلب الشرقية أجى شب بيشتغل على عربة نقل واقترحَ عليَّنا أنو يشيل شناتينا ويقطع معنا المعبر مقابل مبلغ مادي بسيط، معرض حاله لاحتمالية الموت قنص منشان ما يموت هو وعيلته من الجوع.

بلشنا نركض وراه لحتى ما نضيعه بالزحمة لحد ما وقفنا صوت كـأن جاي من العدم، وبعدها ساد صمت رهيب خلّى كل العالم يلي عم تمشي بالشارع تقعد بمكانها أو تروح تلزق بالحيطان الغير مكشوفة للمجهول.

 أما نحن واقفين ومصدومين من يلي عم يصير وموعرفانين شو نتصرف، طلب منا زلمة من الشارع أنو نروح عالرصيف وقاللنا:

 “لا تخافوا، اللي صار عادي كتير، لا تقلقوا”

الأمرالعادي كان صوت إطلاق نار من القناص المطل على المعبر، أمر اعتيادي لسكان حلب يلي رجعوا كملوا حياتهم بشكل طبيعي بعد دقيقتين بس.

كملنا مشيتنا باتجاه بناء ضخم اسمه “الهيئة الشرعية”، فيه ناس ملتمين ولابسين أسود بأسود مهمتهم أنو يذلوا العالم ويبهدلوهم ، صاروا يصيحوا فينا:ما هذا اللباس؟ أين اللباس الشرعي؟

جاوبناهن:

لابسين الحجاب شو مطلوب غير هيك؟ طبعا الحجاب كنا حاطينه من أول الطريق تجنباً لجنان حواجز الفصائل الإسلامية.

باليوم يلي جينا في كان مستلم إدارة المعبر فصيل جديد ومبلش حصار شديد على القسم الغربيّ من المدينة، لهيك وبعد توسلات شديدة قدرنا نمرق المونة يلي باعتتها ماما معنا لتسندنا بحلب، وطلعنا من المبنى لندخل مملكة عزرائيل…معبر الموت.

كانت أمي عم تمشي بيني وبين ريتا ماسكة أيدينا بقوة وما عم ترضى تتركهم وكأنها بهالطريقة رح تقدر تمنع رصاص القناص عنا في حال اختارنا هدف بهاليوم.

 كانت عم تطلب منا كل الوقت أنو نخلي روسنا لتحت وما نطلع بعيوننا باتجاه مباني القناصة بس ما قدرت قاوم فضولي، كان عندي رغبة كبيرة أني أعرف شو في حوالينا، رفعت راسي ولقت عيوني مفتوحة عالفلا.

المكان كان عبارة عن فراغ كبير كتير وشوارع مقطعة بحواجز صخرية وأبنية مهجورة من زمان.

هاللحظات كانت مرعبة بقدر المعبر وأكثر، ما منعرف إذا رح نكمل مشوارنا الدراسي ولا رح نكون أسماء بشي خبر على الفيس بوك بيضمنا لمعتقلين خلف القضبان أو شهداء تحت التعذيب.

ابتسموا بوجهنا وقالولنا تفضلوا.

وبعجقة هالحياة الواحد بيتسائل , شوهالمهزلة؟ كأن الدنيا عم تستهزئ فينا.

نبذة عن الكاتب

ندى

صبية سورية

Loading Facebook Comments ...