الشرف ووسام الأسد

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

أعاد النِظام السوري عبر وزارة خارجيته وسام “جوقة الشرف” الفرنسي من رتبة الصليب الأكبر، الذي كان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قد قلده لبشار الأسد خلال زيارته لباريس في حُزيران عام 2001.  مصادر النِظام السوري كانت قد صرحت: “أن رد الوسام لفرنسا يأتي بعد مشاركتها في العدوان الثلاثي الذي شنته إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا على سورية في الرابع عشر من نيسان”.

لكن مُبادرة نِظام الأسد هذه، كانت ردة فعلٍ مُسبقة على إجراءات الرئاسة الفرنسية، التي كانت قد أعلنت قبل ذلك بقُرابة اسبوع بدء إجراءات تجريد بشار الأسد من وسام جوقة الشرف هذا، أعلى الأوسمة الحكومية الفرنسية، بعد اتهام نِظامه باستخدام الاسلحة الكيماوية في مدينة دوما.

لأي مُتابع عادي لهذا الحدث الاستثنائي، حيث تقوم دولة ما بسحب وِسام شرفٍ من شخصية سياسية ما، له أن يسأل سؤالين مُركبين:

لماذا تقوم هذه الدولة بمحاولة سحب وسام “شرفها” الآن!، أي فُعلٍ مُشينٍ استثنائي فعله الشخص الذي سيُسحب منه الوسام!.  وحيث يجب أن يكون هذا السؤال لاحقاً لسؤالٍ آخر، هو أساس فهم هذه المسألة: أي فعلٍ حميدٍ ونبيل ورفيع كان قد فعله هذا الشخص من قبل، حين استحق وسام جوقة الشرف هذا!.

أمام ذلك، لن يجد المُتابع إلا سيلاً من الوقائع التي تُكذب تلك الثُنائية.

فالأسد من خِلال قصفه لمدينة دوما بالأسلحة الكيماوية لم يقم بأي سلوك استثنائي، بل كان ذلك جزء عادياً ورتيباً مما يفعله مُنذ سنوات، من قصف بالأسلحة الكيماوية وتدميرٍ للمُدن واقتلاع للسُكان.

بالضبط كذلك، فأن الأسد حينما كان قد تلقى وسام جوقة الشرف في شهر حُزيران من العام 2001، فأنه كان فقط مُجرد نجل مُستبد راحل، ورث الحُكم والبِلاد عن أبيه، دون أية عملية شرعية أو انتخابات شفافة، وأولاً دون أي اعتبارٍ للملايين من مواطني ذلك البلد وحقهم المُقدس في اختيار حاكم بِلادهم!.

 هذا الشخص الذي كان قد اطلق حملة اصلاح خُلبية، تعد بالكثير من التحديث والتطوير، لكنها تُتابع آليات الحُكم التقليدية في قمع الحُريات وسوء احترام حقوق الإنسان والالتزام بالقوانين. وبالذات في الأيام التي تقلد فيها ذلك الوِسام، فأنه كان قد بدأ بتنفيذ الخطوات العملية لمحق ما سُمي وقتها “ربيع دمشق”، والتي كانت مُجرد اجتماعات عامة مُصغرة جداً لبعض المُهتمين بالشأن العام السوري، وكان بعد ثلاثة شهور فقط من ذلك قد بدأ عملية اعتقالٍ واسعة بحق عشرات المُعارضين والمثقفين، وتابع كامل طيف سلوكياته الاستبدادية التقليدية.

قبل ذلك بثلاثة سنوات، كان رئيس الدولة الفرنسية، الجهة التي منحت الأسد وسام جوقة الشرف، كان قد استقبل بشار الأسد بشكل رسمي، في قصر الإليزيه الرئاسي، والأسد الذي لم يكن له أية سمة رسمية قط وقتئذ، خلا أنه نجل زعيمٍ شرق أوسطي، يعدُه والده لأن يرثه في الحُكم، وأن يُتابع نفس وتيرة وهوية النِظام الحاكم، الشمولية القامعة لكُل حرية عامة. حيث عُدت فرنسا القوة الدولية التي تكفلت للأسد الأب بتقديم المظلة الدولية اللازمة لعملية انتقال الحُكم وراثياً، في دولة تُعد الجمهورية أساس دستورها وهويتها السياسية. وهي فعلت ذلك تماماً، ولم يكن منح الأسد الأبن وسام جوقة الشرف، إلا واحدة من خطوات الرعاية تلك.

في رؤية هذه الصورة كاملة، لنفس ذلك المُتابع أن يعود للتفكير بأشياء أخرى، غير اسئلته المنطقية.

أن يفكر أولاً بالدراما الخطابية والسياسية التي تمارسها قوى المُجتمع الدولي تجاه الأحداث السورية، وبالضبط لأنها لا تستطيع –ورُبما لا ترغب- بتقديم شيء سياسي حقيقي للسوريين، شيئاً يستطيع أن يُنقذهم من فظاعة ما يعيشونه، لذا فأن هذه القوى الدولية تذهب لممارسة سلوكيات مُسطحة، من مثل سحب وسام جوقة الشرف من بشار الأسد، لتستحصل هذه القوى اشكالاً من الطاقة الشعورية بأنها تفعلُ شيئاً ما،  وأنها في الجانب “النبيل” من حركة التاريخ، ليرتاح ضمرها الجمعي وغرورها الأصيل بمركزيتها في الفعل الكوني.

وسام جوقة الشرف هذا، كان قد أُنشئ في فرنسا في عهد نابليون بونابرت عام 1802، في تلك السنوات التي بدأت الدولة والسُلطة الفرنسية بحروبها النابليونية الشهيرة، التي سعت لنشر قيمها الثورية وقتئذ، الحرية المساواة والإخاء. نفس السُلطة الفرنسية، صارت تسعى لاسترداد شيء من شرفها، شرفها الذي هُدر أولاً حينما منحت وسامه لطاغية مثل بشار الأسد.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...