كيف ينشأ الإرهاب من خلال اللغة؟

يكتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: “لماذا اللغة هي أخطر النعم؟ إنها خطر الأخطار جميعًا، لأنها هي التي تبدأ بخلق إمكانية الخطر. فالخطر هو تهديد يحمله الموجود للموجود. وبالتالي فإن اللغة هي التي تؤسس إمكانية ضياع الوجود: أي الخطر”.

في كتابه “عتبات العنف، كيف ينشأ الإرهاب من خلال اللغة؟” (المركز الثقافي العربي، 2017) يقدم المؤلف محمد الدكان محاولة متميزة، يحتاجها واقع الثقافة العربية المعاصرة، وذلك بغاية مقاربة تجليات العنف داخل اللغة العربية التي استعملت في التنظير لثقافة الإرهاب والتأسيس لأنظمة قمع. حيث يقوم المؤلف الدكان بتحليل البيان التأسيسي لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”- داعش، وكذلك يتتبع المؤلف بنى وأساليب الخطابات التي أطل بها أبو بكر البغدادي، مؤسس التنظيم، على سكان المناطق التي خضعت لسيطرته في كل من سوريا والعراق.

إن هذه المحاولة في تعرية الخطاب العنفي تطلبت من الباحث الاستعانة بالعلوم اللغوية الحديثة والمعاصرة، من اللسانيات عند اللغوي فرديناند دي سوسور، إلى السيميائيات عند أ.ج. غريماس، وكذلك علم السرد عند جيرار جينيت وبول ريكور. إن هذه التخصصات التي تتعلق بالنقد اللغوي والأدبي تتضافر معاً، لتطبق على الخطاب الداعشي، وكذلك على أي خطاب لغوي – فكري آخر يوسم بالمميزات القمعية أو الترهيبية للمتلقي، وهي الخطابات التي يطلق عليها المؤلف لقب “خطابات الدم والهدم”.

العتبة: أعلى الباب، مقابلًا للأسكفة، والجمع عتب وعتبات، ويكون ذلك في الدخول والخروج في البيت. والمقصود بالعتبات اصطلاحاً في دراسات الخطاب ولسانيات النصوص والمتون: كل ما يحيط بالمتن ويشد من أزره ويعضده، إنها مجموعة العناصر التي تحيط بالنص، أي: العنوان، الاستهلال، الختام، وكذلك الحواشي.

تجليات العتبات (العنوان، الاستهلال، الخاتمة):

  1. العنوان: يكتب محمد الدكان عن اختيار تنظيم داعش لمصطلح “التوحش” بوصفه المعنى الدال على استراتيجية التنظيم، وطموحاته الدموية والإرهابية المستقبلية في العالم، وذلك من خلال إصدار كتاب “إدراة التوحش، أخطر مرحلة ستمر بها الأمة”، لكاتب باسم مستعار يدعى أبو بكر ناجي. ويقصد التنظيم من كلمة “التوحش” حالة الفوضى التي ستدب في أوصال دولة ما أو منطقة بعينها، إذا ما بقيت في سلطة الطواغيت الحاكمة لها، ولذلك فهو يرى أنه يجب على الجهاديين من أعضاء تنظيمي “داعش” والقاعدة المبادرة لإنقاذ الشعوب من التوحش الذي تعاني منه.

أما عند النظر إلى عنوان آخر، في خطاب قائد تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، فقد جاء باستعمال آية قرآنية وجهها للمخاطبين من المستمعين: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، ليكشف عن جملة من الملامح المهمة، التي تربط بين العنوان ومقاطع نصية تالية داخل الخطاب، منها: “يا أبناء الدولة في الشام، إن الله يعلم ثم أنتم تعلمون، أن الدولة بذلت ما بوسعها لوقف هذه الحرب التي شنت عليها من قبل الكتائب المقاتلة”، أو في موضع آخر من الخطاب ذاته: “حسبنا أن الله يلعم أننا حرصنا على أمن وسلامة أهلنا في الشام، وأننا الوحيدون ممن تحمل علانية مقاتلة عصابات قطاعات الطرق”، أي أن العنوان استعمل كمتهيد لبث متن الخطاب برسائل من العنف.

إنها محاولة لغوية مسيسة للتلاعب بعاطفة المتلقي، ومحاولة العزف على وترها المرهف، من خلال التظاهر بنقاء المنطق وبالإحالة إلى الآيات القرآنية.

  1. الاستهلال: يتحدث محمد الدكان في كتابه عن ثلاثة أنماط من الاستهلال النصي، تتضمنها خطب مؤسس التنظيم أبو بكر البغدادي، وهي:

أ – الإستهلال التقريري: وهي ديباجة معروفة في أدبيات الخطبة الإسلامية من مثل قوله: “الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومستدرج الكافرين بمكره، وجعل العاقبة للمتقين بفضله”، هكذا إمعاناً في التشبث باستمالة المخاطب واستدراجه في محاولة لإضفاء الشرعية على هذا الخطاب من خلال الوضوح التام في إلقائه.

ب- الاستهلال الواقعي: وفي هذا النمط يروي الرواي الأحداث باعتبارها وقعت فعلاً، في أزمنة محددة، وأماكن معروفة، ومن شخصيات معروفة، فهو نمط خطابي أشبه بالشهادة الوثائقية، من مثل قول البغدادي: “اجتمع مجلس الشورى الإسلامي وتباحث في هذا الأمر بعد أن باتت الدولة الإسلامية تمتلك كل مقومات الخلافة، فلا يوجد مانع أو عذر شرعي لعدم إقامتها. فقررت الدولة الإسلامية ممثلة بأهل الحل والعقد من الأعيان والقادة والأمراء ومجلس الشورى إعلان قيام الخلافة الإسلامية وتنصيب خليفة للمسلمين”.

ج – الاستهلال التخييلي: التخييل هنا يعني الإيهام بالواقع، كما في قول أبو محمد العدناني، وهو المتحدث الرسمي باسم تنظيم “الدولة الإسلامية”- داعش: “هذي راية الدولة الإسلامية راية التوحيد عالية خفاقة، تضرب بظلالها من حلب إلى ديالى، وباتت تحتها أسوار الطاوغيت مهدمة، وراياتهم منكسة، وحدودهم محطمة، وجنودهم ما بين مقتولة ومأسورة ومشرذمة”.

  1. الخاتمة: في الخطاب الصوتي لأبو بكر البغدادي يختار الخاتمة التالية: “وأخيراً هذه رسالة نوجهها لأمريكا، فلتعلمي يا حامية الصليب، أن حرب الوكالة لن تغني عنك في الشام، كما أنها لن تغني عنك في العراق وعما قريب ستكونين في المواجهة المباشرة، مرغمة بإذن الله، وأن أبناء الإسلام قد وطّنوا أنفسهم لهذا اليوم”.

يرى محمد الدكان أن هذه الخاتمة تكشف مزيداً من الإلحاح على التظاهر بنجاعة القول، كما التظاهر بنجاعة الرؤية والعمل، حيث التوجه اللغوي نحو العدو المباشر، توجهاً تداولياً يحمل بعض التحذير الدولي، والترهيب العسكري المسلح، باسم “أبناء الإسلام” كلهم دون استثناء، الذين قال عنهم البغدادي إنهم جميعًا قد وطنوا أنفسهم للدخول في صف التنظيم في مواجهته مع أميركا مواجهة قريبة مباشرة ومرغمة، وهي محاولة أخرى تشحذ سكين الصراع، بشكل قريب وواضح ومحدد، وبلغة حازمة جازمة، تأخذ من اليقين والحقيقة التامة المطلقة زمامًا لها.

لغة العتبات

هنا يحاول المؤلف الإجابة عن التساؤل المطروح من قبله: كيف عبّر تنظيم “الدولة”- داعش عن فكرة العنف من خلال رؤيته اللغوية للعالم؟ فيذهب المؤلف للبحث في معجم مفردات العنف، وتراكيب العنف في خطاب التنظيم. فيتابع في بحث أنماط الفعل الكلامي التوجيهي، ويضيء على نمطين من أنماط التوجيه اللغوي، وهما:

التوجيه الطلبي: وهذا النمط يمثل محاولة المتكلم توجيه المتلقي أو التأثير عليه ليفعل شيئاً ما، ومنها مثال: “فهبّوا يا أسود الدولة الإسلامية، اشفوا غليل المؤمنين، ثبوا على الرافضة الحاقدين، والنصيرية المجرمين، أرونا منهم الدماء والأشلاء”.

التوجيه النفسي: وهو عبارة عن توجيهات تصدر من المتكلم في شكل انفعال معين، منها مثال: “اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في جهادكم، ولانجد لكم عذرًا شرعيًا في عدم نصرة هذه الدولة”.

وظائف العتبات:

في الجزء الثالث والأخير من الكتاب يركز محمد الدكان على الوظائف التي يطلع بها النص العنفي أو الخطاب الترهيبي، ويقسمها إلى الوظائف الإخبارية، الوظائف السردية، والوظائف الحجاجية، والتي رأينا عليها خير مثال في ما ورد سابقاً عن أنواع الاستهلال الثلاثة: التقريري والواقعي والتخييلي.

في الخلاصة، يصل محمد الدكان إلى وسم الخطاب الداعشي بسمتين اثنتين:

السمة الأولى الغالبة في خطاب العنف هي العزلة اللغوية: حيث تعيش اللغة حالة حادة من العزلة عن كل ما يحيط بها من الواقع وملابساته، والتاريخ وفهمه، والمستقبل والوعي به، فاللغة في خطاب العنف لها سياقها الخاص، السياق العازل عن العالم، وهذه العزلة اللغوية هي إيديولوجيا، نواتها اللغة.

أما السمة الثانية فهي التلاعب اللغوي: بوصفه وسيلة من وسائل الخداع اللغوي في الخطاب، الذي يمكّن من السيطرة على الآخرين.

خاتمة:

ونحن نقول أخيراً، إن هذه القراءة اللغوية النقدية لنص وخطاب العنف في اللغة، رغم أنها تُطبق هنا ببراعة على الخطاب الداعشي، إلا أنها تشكل أيضًا تقنيات هامة للكشف والإضاءة على مفردات ومعجم وتراكيب العنف والإرهاب، في أي خطاب إيديولوجي آخر. والأمثلة المأخوذة من الخطاب الداعشي تطبق على العديد من النصوص والخطابات الفكرية للعديد من التيارات السلطوية والأنظمة القمعية العربية.

*****

الكتاب : عتبات العنف – كيف ينشأ الإرهاب من خلال اللغة؟

المؤلف : محمد الدكان.

المركز الثقافي العربي – 2017.

نبذة عن الكاتب

علاء رشيدي

قاص، صحفي ثقافي، ومدرب إعلامي. صدرت له مجموعتان قصصيتان عن دار أطلس للنشر.

Loading Facebook Comments ...