تساقطت الصواريخ الأمريكية.. فارتبكنا

 تساقطت الصواريخ الأمريكية على دمشق فجر يوم بدا أنه في غاية الاعتيادية من أيام بيروت التي مرت فيها ذكرى الحرب الاهلية بشكل عابر. جلست أمام الشاشة كآلاف الساهرين منتظرين حدوث المعجزة. بدا أن هذا المشهد مألوف الى حد بعيد في ذاكرتي.  خمسة عشر عامًا تفصلنا عن تساقط الصواريخ الأمريكية على بغداد. دُمرت المدينة ودخلت القوات الامريكية العراق وسقط الدكتاتور، لكنها خلفت وراءها بلداً ممزقاً قصفته باليورانيم المخصب، وبيئة خصبة للتطرف حيث سيتشكل فيها تنظيم الدولة الذي فتك في المنطقة كوحش أسطوري خلق من العدم. ثم سيتحول هذا البلد الى رافد للمليشيات الطائفية التي ارتكبت مئات المجازر وساهمت في تمزيق سوريا.

كنت آنذاك صبيًا صغيرًا، وأذكر ردة فعلي التلقائية أنني  بكيت. كانت الصور الواردة مفجعة، غزو للعراق، شُبّه باجتياح المغول لبغداد، وسيتشابه الحدثان بأنهما سيؤسسان لحقبة جديدة من الوحشية وتغيير جغرافيا المنطقة. كان مشهد سقوط بغداد استهلالًا دمويًا لما ستتخذه المجزرة من أطوار أخرى وفصول أكثر دموية ولكنها لن تكون على يد الغزاة، سنكتب فصولها بأيدينا نحن.

قصف النظام المدن بالدبابات والمدفعية، وكانت إحدى أكثر الصور الصادمة مشهد لمجموعة من جنود الجيش السوري تحتمي بدبابة وهي تتقدم لاقتحام مدينة إزرع. بدا ذلك المشهد شبيهًا بدخول قوات أجنبية. تم تداول المقطع على نطاق واسع، وزاد الإحساس بأننا بمواجهة غزو حقيقي. ومن ثم قام الطيران بقصف المدن والبلدات بعنف غير مسبوق. كان مشهد الصورايخ في غاية الغرابة، لم يكن ثمة مقاربة تشبه مقاربة سقوط الصواريخ على بغداد أو سقوطها على المدن الفلسطينية. لقد خُلق لدينا خلل أننا لا نواجه في النهاية عدوًا خارجيًا، وإنما عدوًا من أبناء جلدتنا، عدوًا أكثر دموية من جميع الغزاة الذين واجهتهم هذه البلاد.

في بداية الثورة كان ثمة إحساس بأن هنالك ملحمة شعرية قد بدأها آلاف الشباب في مواجهة الظلم. وكانت غنائية المظاهرات تشبه إلى حد بعيد غنائية الملاحم الشعرية التي كتبت في التاريخ. لكن الفارق الجذري ثمثل بغياب الأبطال الخارقين في مواجهة الوحوش الأسطورية والآلهة، ومع فارق بسيط إضافي:  أن هذه القوة الشريرة التي صورت في الملاحم كانت أرضية بامتياز. تدرجت الملحمة  في فصولها، ففي حين كنا نستعيد ثقتنا بقدرتنا على تغيير العالم وأن الثورات تستطيع تحقيق النصر وأن مد التغيير بدا في طريقه إلى العديد من بقاع العالم وأن التغيير السلمي من الممكن أن يحدث أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني، وفيما كنا نستعيد ثقتنا بكل ذلك، كنا ننزلق إلى حرب طاحنة ستقتل كل القيم التي كنا ننادي بها.

  هنا بدأت الملحمة تأخذ مسارات أخرى، ففي حين استطاع الآلاف من الشباب مواجهة القتل والعنف بالرغبة بالحياة حيث اتخذت البطولة الجماعية أبهى صورها مستمدة من الشعور بالقوة، ليس فقط من إنجازات الفرد وإنما من الإحساس الجماعي بالتغيير. لتنتقل إلى تراجيديا عنيفة ستكون فيها المجزرة هي الأمثولة الوحيدة الحاضرة في أذهان العالم. سنختصر إلى مجزرة مجهولة لا تحمل أي طابع أخلاقي، وإنما لمجهولين وقتلة يموتون بشكل مفاجئ وغامض.

المجزرة كانت ترتكب على أيدي سوريين لديهم ذات الانتماء وذات التاريخ، وذلك سيجعلها غير واضحة. ثم سيجلب أبناء الوطن غزاة آخرين. ستتدفق الميليشيات الإيرانية واللبنانية على الأرض ثم ستحلق الطائرات الروسية وتقصف المدن السورية بعنف. وستستحيل صورة قصف بغداد من قبل القوات الأمريكية إلى صور قصف الروس للمدن السورية، وستحل حلب محل بغداد، لكن أحدًا لن يصدق أن هذا غزو فعلي وأن دولة محتلة بأساطيلها وجيشها تحتل البلد. سيشار بأصابع الاتهام إلى جهات غير معرفة وسنساهم في المجزرة بطريقة أو بأخرى. وسنجد أننا نحن الغزاة وسنختار مواقع مختلفة لنعفي مسؤليتنا ونشير الى جهة خارجية تساهم في هذه المجزرة. سنستجدي العالم أن ينقذنا، وتحديدًا الولايات المتحدة.

وهنا تتخذ التراجيديا طابعًا آخر، إذ وجدنا أنفسنا بين شيطانين. وسنتخذ دور الدكتور فاوست ونحن نستجدي من العالم إنهاء المجزرة. سيبيع الكثير منا نفسه للشيطان تارة بمقابل وتارة دون مقابل.  ثم سيبدو لنا القصف الامريكي الأخير في غاية الهزلية. حيث سنشعر أن الضربات الموجهة للنظام هي أقل عنفًا من قصف اعتيادي يومي على مدن سورية تخلف وراءها يومياً مئات الضحايا. العدالة هنا تصبح محط سخرية والمجزرة الحاصلة في دوما مؤخرًا ومشاهد خروج النازحين القاسية ستتراجع في أذهاننا كما تراجعت قبلها الكثير من المجازر وطواها النسيان. وسيتحول الرئيس الامريكي إلى مهرج يحول المأساة إلى ملهاة فيما نحن نمارس فعل الفرجة والضحك.

لم تحدث الضربات الامريكية أي أثر ميداني، ولكن أثرها الحقيقي هو إرباكنا تجاه ما حدث: أننا نبارك ضربات أميركية لم تؤد إلى كبير تغيير،  وسيكون لهذه المسرحية الهزلية أثر استكمال نزع كل قيم الثورة التي خرجت، وسيكون المثل الشعبي هو أمثولتها: خلط الصالح مع الطالح.  لنجد أنفسنا أمام سؤال: من هو عدونا؟. سيبدو هذا العدو مرة اخرى غير واضح المعالم، والمعركة الدامية والمنهكة تجعلنا نسقط بالشلل ونفقد القدرة على الفعل الذي بدا أنه كان على وشك أن يغير العالم، ومازالت تداعياته تقلقه. وسيتحول صمود الناس ودفاعهم عن ثورتهم وحقوقهم مرة أخرى إلى مجرد تفصيل صغير يغيب في حشود الأخبار. وسننتظر الفعل من الآخر الذي طالما استنجدنا به ولكنه تركنا فقط للمجزرة.

نبذة عن الكاتب

عروة المقداد

كاتب ومخرج سوري مقيم حالياً في لبنان

Loading Facebook Comments ...