الحرب الأهلية السورية الدائمة

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود 

بعدما حدث ما حدث في كل من عفرين والغوطة، فأن المجريات السورية تذهب في اتجاهين أثنين: تمكين قوات النظام السوري والمليشيات الرديفة له من الهيمنة على باقي المناطق الخارجة عن سيطرتها، بالذات محافظتي إدلب ودرعا، وبتوافق إقليمي تركي روسي إيراني. من جهة أخرى، فأن هذه الدول ستسعى لأن تختلق حلاً متوافقاً عليه فيما بينها لمسألة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “الكردية” على شمال شرق سوريا، وأغلب الظن فأن ذلك سيكون عبر خلق ضغوط عسكرية تركية متراكمة، كي يندفع الطرف الكردي للاستنجاد بالنظام السوري، كأفضل خيارين سيئين.

بعدما سوف “يُنجز” ذلك طوال هذا العام، فأن القوى الثلاث ستسعى لأن تعقد “حلاً سياسياً” شكلياً للغاية، رُبما لن يتجاوز اصدار عفو عام والقبول ببعض الشخصيات “المعارضة” في وزارات حكومية هامشية، دون أية سلطة فعلية قط.

هنا بالضبط، سيسعى رعاة هذه التوافقات للتبشير بأن الحرب السورية أنما انتهت، وأن البلاد قد عادت إلى وضعها الطبيعي العادي!!. وهو ما يُنافي الحقيقة تماماً، لأن مشاكل سوريا الرئيسية الثلاث لن تكون قد حافظت على نفسها فحسب، بل ستكون في قمة تفاقمها.

أولاً المسألة الطائفية السورية، وبالذات في بُعده العلوي/السُني، ستكون قد راكمت ذاكرة مريرة من العُنف والروايات التي يُمكن لها أن تُعيد دورات العُنف حتى نصف قرن قادم. فما يُمكن تسميته ب”الشقاء السُني” خلال سنوات الثورة لا يُمكن لأية خطابية وطنية أو قومية أو استبدادية أن تُخبئه. حيث أن هذا الشقاء لم يطل مُجرد مجتمع “سُني” محلي فحسب، كما حدث في حماة وبعض المُدن والمناطق السورية الأخرى أوائل الثمانينات، بل طال كُل المُجتمعات المحلية السُنية على الاطلاق، حتى صارت فداحة المظلومية السُنية الراهنة تتجاوز أية إمكانية لاستيعابها ضمن أية عباءة، حتى لو كانت عبر توافق إقليمي وثيق.

القضية الكُردية بدورها ستكون في ذروة انفعالها. فالكُرد سيرون انفسهم وقد مُحقوا مرتين، مرة على يد الجماعة السياسية العسكرية التي ادعت عنوة تمثيلها لهم، وادخلتهم في مغامرة إقليمية ودولية تتجاوز قدرة الكُرد السوريين وحجمهم الديموغرافي ومستوى قضيتهم، وتوجت بإعادة احتلاليين لدودين لمناطقهم، تُركيا في عفرين والنِظام السوري في باقي مناطقهم. ومن جهة أخرى فأنهم سيكتشفون بأن جميع القوى السياسية السورية والإقليمية، وبغض النظر عن تناقضاتهم، تتفق في المُحصلة على شيء واحد فحسب : لا شيء للكُرد، أي شيء.

أخيراً، فأن مسألة الحُكم والسُلطة ستكون في ذروة فجائعيتها. سوريا ستكون محكومة من أقلية سياسية سُلطوية، لا تعترف بالمُجتمع السوري ولا تُبالي بتطلعاته ومشاكله وآلامه التي تتراكم بالتقادم، وأولاً بسبب طبيعة هذا النِظام الوحشي والطبقات الرديفة له. طبعاً فيما لو حدث ذلك، فأن النِظام سيستبطن كُل اشكال الغرور والفوقية واللامبالاة، لأنه سيعتبر نفسه مُنتصراً على المُجتمع السوري ومُحطماً له، وغير مُجبر على أخذ أي شيء في حسابات سياساته الداخلية، طالما أن القوة المحضة تستطيع أن تُنجيه من أية مُحاسبة أو معاقبة.

في ظلال هذه القضايا الثلاث الرئيسية، ومثلها المئات من الملفات الفرعية والجزئية الأخرى، وفي دولة مُحطمة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ومسورة بذاكرة من العُنف والمجازر واشكال مُختلفة من الاقتلاع السُكاني والتطهير العرقي وتدمير الحواضر، وبتسوية سياسية وقانونية غير أخلاقية وسيئة العدالة تماماً بحق ملايين الضحايا،  هل يُمكن لأحدٍ أن يتخيل بأن تلك البِلاد ستكون مُستكينة ومُستقرة وطبيعية حتى بشروط الحد الأدنى مما تعيشه مُجتمعات الدول العادية.

يقول المنطق بأن ذلك غير مُمكن بأي شكل، وأن العُنف الأهلي بمُختلف اشكاله سيستمر، سواء الطائفي أو القومي أو الطبقي والمناطقي، وأن أي نِظام أمني أو عسكري لن يستطيع ضبط المُجتمع السوري، فالانتقامات على المستوى الفردي والجماعي ستبقى مستمرة.

في إحدى أشهر رواياته، يسرد الروائي الكُردي/التُركي يشار كمال حكاية صراعٍ مرير بين مملكتي الفيلة ونظيرتها التي للنمل، وحينما تتمادى الفيلة في محق بيوت النمل بأقدامها الكبيرة، فأن هذه الأخيرة تذهب للتفكير بطريقة مُختلفة للانتقام، وتجهد لحفر كامل مملكة الفيلة من تحت الأرض، حيث يتهاوى الفيلة ويتساقطون في تلك الحُفر الشاسعة التي حفرها النمل، دون أن يتمكنوا من الخروج قط.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...