ما جرى في عفرين وقوة الكاميرا

قدم الشهيد غياث مطر الماء والورد لقوات الأمن التي كانت تقمع المظاهرات المطالبة بالتغيير في سوريا، مبادرة منه على تكذيب رواية النظام السوري أن المتظاهرين هدفهم قتل عناصر الأمن.

استشهد غياث برصاص من قدم لهم الورد والماء ولم يتوقف القتل.

هتف المتظاهرون: “الشعب والجيش أيد وحدة”، ولكن الجيش آنذاك شارك بقمع المظاهرات، هتف المتظاهرون حتى بحت حناجرهم بهتاف: “سلمية.. سلمية”.

لم يسمعهم أحد واستمر مسلسل القتل وإذلال المتظاهرات وتسريب فيديوهات من أقبية أفرع الأمن تهدف لردع المتظاهرين، ولكن حدث العكس وازداد الصوت، وكانت إحدى النتائج أن يتم تسليح بعض المتظاهرين وعناصر انشقت من أفرع الامن والجيش السوري، ومهمة هؤلاء حماية المتظاهرين الذين يصرخوا بـ”لا” في وجه القمع واستعباد المواطن السوري حتى نصل إلى الـ”نعم” بدولة المواطنة وهدم آخر سجن أمني في سوريا.

كان ما كان وحدث ما حدث في السنوات السبع الماضية من تدخل دول وتهجير مدن وتقسيم البلد إلى كانتونات عسكرية، ولتبقى جذوة الثورة بيد من تظاهروا كمن يداري شمعة من الإطفاء بين موجات الريح.

كل ما سبق تجلى أمامي كعصف ذهني واستعادة مؤلمة لكثير من الأحداث. في الثامن عشر من آذار هذا العام ومع سيطرة فصائل المعارضة المدعومة من تركيا ضمن عملية غصن الزيتون على مركز مدينة عفرين بريف حلب الشمالي، دخلت كمصور حربي لتغطية الحدث، وكررت ذلك بيني وبين نفسي كي أنضبط ولا أتعرض للخطر وفقاً لقواعد السلامة الصحفية. أتجول في حواري المدينة التي أدخلها لأول مرة في حياتي، هارباً من مناظر أشبه ما تشبه منظر سجناء تم تجويعهم لمدة عام ومن ثم فُتح الباب لهم أمام مائدة طعام وليس لديهم من الوقت إلا دقائق معدودات.

كنت أقول لمن هم حولي إن هذه المعركة ناتجة في أحد جوانبها عن الحقد والانتقام، بسبب أحداث مدينة تل رفعت ومنبج والمدن التي سيطرت عليها “قوات سوريا الديمقراطية”، وما ارتكبته من انتهاكات بحق المواطن السوري والمعارك التي قوامها الحقد لن تكون نتائجها إيجابية.

حاولت الابتعاد عن الحدث والعودة إلى المنزل والاكتفاء بما صورته، لكن ما برحت يعود أمامي شريط أحداث سوريا منذ آذار 2011. أهرب من عنصر يقتحم محلاً لبيع الملابس، أشاهده كيف يضع أكوام اللباس في كيس كبير وأهرب من رصاصة تضرب قفل محل مغلق، أسمع صراخ مقاتلين حول محل مجوهرات.

وكلما ابتعد كلما تجذبني هواجس لا أستطيع مقاومتها: إلي بده يصير صحفي يا يصير يحكي كلشي يا يسكت عن كلشي وإنك تسب بس بشار الأسد من منطقة محررة من بشار الأسد متل الي يسب الاخوان المسلمين قبل الثورة.

  • أنا مصور ومالي دخل
  • أنت سوري قبل ما تكون مصور والثورة هي الي خلتك تكون مصور!

يركض أمامي رجل مسن بالكاد يحمل خطواته على الأرض ويستجدي مسلحاً يركب سيارته: والله ما عندي غيرها.

اتجهت نحو المسلح صراخاً بوجهه وعيني على سلاحه لكي انتزعه منه وما إن شاهد الكاميرا حتى ترك السيارة وذهب.

عدت لتوثيق الهزيمة الأخلاقية التي نمر بها، وضعت نظارات في حقيبة الكاميرا وبالغت في دحش عيني في بؤرة الكاميرا لالتقاط صور عن هزيمتنا الأخلاقية، بكيت، أنا الذي بالكاد أبكي أمام ما مر بنا من مصائب.

تلتقط الكاميرا صورة لعنصر يحمل كيساً فيه مسروقات، لتستذكر ذاكرتي صورة لعنصر من الجيش الحر يخبرنا من تحت لثامه في حي الشعار ألا تخافوا المظاهرة محمية، لاجتهد بالاقتراب منه ويدي ترجف، لكي يظهر بكاميرا موبايلي من نوع X3 آنذاك.

ليس هؤلاء الذي يسرقون هم أنفسهم من طالبناهم بحمايتنا من قوات الأمن، وإن حمل أحدهم علم الثورة على رقبته.

  • أنت ابن ثورة مو بس مصور.

أثناء التقاطي لصور الهزيمة الأخلاقية شاهدت جمعاً من الناشطين، سلمنا على بعضنا، ليقول أحدهم موجهاً خطابه للجميع: والله منعرف بده يصير شي بس مو هيك.

يواصل أبو يزن الجبريني: كل مين يوقف على راس حارة ولا تخلو حدا يقرب عليها وهي هالموتة الي رح نموتها الله ما طعمنا إياها بحلب يطعمنا إياها هون.

مداخل المدينة مفتوحة والمزيد من الناس يدخلون، الكثير منهم لم يشارك في المعركة ومنهم من كان يرتدي جعباً عسكرية فارغة، حاولنا حراسة ما نستطيع حراسته والتواصل مع من له شأن، وما إن انتهى اليوم وغربت الشمس على عفرين حتى نفدت طاقتنا وكأننا حملنا الشمس ودفعناها للغياب عن أرض سورية لكيلا تضيء هزيمة بشعة مررنا بها.

المدنيون كتبوا معنا على حيطان المدينة:

ذهب الشباب إلى سوق مدينة أعزاز واشتروا الكثير من البخاخات- السلاح الأول والفعال للثورة السورية، كتبوا عبارات ثورية وشتائم ومفردات يُخاطب بها السارق. ركض أحد الشبان خلف سيارة مسروقة تتجه خارج المدينة ليكتب عليها: أنا حرامي هي السيارة لمدني.

رفع أحدهم علم الثورة على حطام تمثال كاوا الحداد، قمت بنزع العلم ووضعه بجيبي، قال لي أحد المتطوعين في الحملة من الكرد: علم الحرية لا يوضع على حطام رجل الحرية.

جابهت الكاميرات والبخاخات السلاح ولوته، هدد البعض باعتقالنا وتعميم أسمائنا على الحواجز، لكن الصوت العالي يزعج السارق ويشوش تفكيره، كثرت الأصوات وتوسعت دائرة من يكتب على الحيطان لينضم إلينا مدنيون من عفرين، وكتب بعضهم باللغة الكردية وأخرون باللغة العربية، وشتموا السارق وتحدثوا عن أوجاعهم دون خوف أمام الكاميرات، تلك الكاميرات التي وثقت من سرق ومن ساعد ومن وضع الحواجز في اليوم الثاني للحد من ظاهرة السرقة ومنع دخول أي عسكري إلى المدينة إلا بمهمة عسكرية.

فعلت الكاميرات ما عليها، لتترك العالم الافتراضي والمشاهدين يختارون وفقاً لأهوائهم ما يريدون من صور وينشرونها، وفي النهاية انتصرت الكاميرا والـ”Spray” (سلاح الثورة الأول)، وانهزم السارق.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...