أحمد خالد توفيق: طقوس جماعية للرثاء

لم يأتِ الإعلان الرسمي عن فوز عبد الفتاح السيسي الكاسح بالانتخابات الرئاسية المصرية بأي مفاجآت، وكذا لم يثر أي ردود أفعال من أي نوع، سواء في معسكر المؤيدين أو من بين معارضيه. كان هذا بعضًا مما يسعى إليه النظام، أي استعادة رتابة العهد المباركي، حيث كان كل شيئ متوقعًا وساكنًا، وحين كانت البلادة التي أصابت الجميع، أكثر ثقلًا من القمع.

 لكن الأمر لم يخلُ من منغصات، فيوم الإعلان الرسمي تزامن مع وفاة كاتب سلاسل الخيال العلمي، أحمد خالد توفيق. اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي موجة غير مسبوقة، في استثنائيتها، من الرثاء للكاتب الذي بدأ الكثير من مواليد الثمانينات رحلة انتقالهم من الطفولة إلى الشباب، بصحبة كتبه.  بدت المشاعر، مع كثافتها، صادقة وشخصية إلى أقصى حد. فبالرغم من إشارات إلى موقف توفيق من النظام السياسي، وإدانته مذبحة رابعة، والإسقاطات السياسية والطبقية في رواياته الأكثر جدية، والتلميح إلى أن خبر وفاته غطى على فوز السيسي، إلا أن طقوس الرثاء الجماعية التي انخرط فيها محبّوه كانت أقرب إلى مرثية شخصية، ممزوجة بحنين إلى ما تبقى من ذكريات المراهقة.

لكن دفقة العواطف الشخصية تلك، وإن كانت قد أبعدت نفسها عن السياسة المباشرة وتفاصيلها اليومية، فهذا لا يعني تجردها من السياسة بمعناها الأشمل، بل وربما يمكننا الادعاء بأنها كانت سياسية في جوهرها بامتياز. لا يصعب تصور أن جيلًا ولد مع بدء ولاية حسني مبارك، وكان الخيال الذي أثارته كتب توفيق هو خلاصه الوحيد من ثقل بلادة منتصف التسعينات، إنّما كان ينخرط في طقس جماعي لبكاء ما هو أكبر من مجرد كاتب مفضل من الماضي، بل بالأحرى للندم على هزيمة ساحقة للأمل العام، وخراب يبدو لا فكاك منه للمستقبل.

لعل خبر وفاة توفيق كان الحافز الذي فجر كل تلك المشاعر والانفعالات، المرتبطة بسياقات أوسع، دفعة واحدة. ومع هذا، فإن مؤلف سلسلة “ما وراء الطبيعة”، بشخصه، كان جديرًا بكل هذا الوفاء واللوعة من مريديه. فالطبيب المتواضع، ومعتل الصحة لوقت طويل، الذي ظل بعيدًا عن العاصمة في إقامته في طنطا، ظل بعيداً كذلك عن المركز، بمعناه المؤسسي والسياسي، كنموذج مثالي لتأثير الهامش، وعن تلك القوة الكاسحة واللينة للأدب، حتى في أكثر صورة رواجًا وتجارية.

 لم تكن سلاسل توفيق هي الأولى من نوعها بالطبع، لكنها طرحت مفهومًا مختلفًا للبطولة، فعلى عكس سلاسل “ملف المستقبل” و”رجل المستحيل” لنبيل فاروق، وأبطالها الخارقين والمثاليين، فإن أبطال توفيق كانوا نموذجًا للعادية، والهزيمة أحيانًا، والنقائص والضعف والتردد والتناقضات في الأغلب. فرفعت إسماعيل، بطل “ما وراء الطبيعة”، نحيل وأصلع ومصاب بضيق الشرايين، بالإضافة إلى لهاثه الدائم من فرط التدخين، هذا كله بالإضافة إلى خوفه وتوتره الدائم وقلة صبره. بدت سلاسل نبيل فاروق التي يلعب فيها رجل المخابرات دور البطولة، صوت الدولة وأبوية مجتمعية مهيمنة. في المقابل، كان توفيق هو صوت الرواية البديلة للبطولة “غير الرسمية”، وانتصار العادي وما دون المثالي. صاغ إنتاج توفيق الغزير وعي جيل كامل، كان يصارع الخواء المحيط به، طارحًا أمام دفعات من مراهقي المدارس الإعدادية والثانوية أسئلة عن معاني البطولة، والخيال، والرعب والطبيعة، وتجاوزهما بواسطة الضعفاء.

لكن تمجيد الهشاشة، كان كفيلًا بإثارة غضب السلطة بالتأكيد. خرج عماد الدين أديب على شاشة التلفزيون، معبرًا عن هذا الغضب تجاه الكاتب الراحل وطقوس رثائه الجماعي، وكان ربما أكثر أسباب نقمته هو إفلات توفيق من مجهر السلطة، فما أقلق أديب هو كيف يكون لمثل هذا الرجل المغمور في شقته في طنطا كل هذا التأثير الطاغي، دون أن يتنبه أحد له في مراكز السلطة بالعاصمة. تخرج جريدة الدستور لاحقًا، ملفقة قصة تافهة عن انتحار صاحب “يوتوبيا”، لا لشيء سوى الطعن فيه وتشويه ذكراه بأحط الصور. فبكثير من العجلة، اكتشف حراس البطولة الرسمية أن الرجل كان خطرًا، ومازال حتى بعد موته.

جاءت وفاة توفيق في لحظة شديدة الرمزية، لم يكن يقصدها أحد بالطبع، وكانت كفيلة بإشعال شرارة موجة جماعية للتعبير عن مرارة وحنين، تتعلق بما هو أوسع من رحيله. وفي خضم ذلك كله، لم يدّعِ أحد من محبي توفيق أنه كان يقدم أدبًا “رفيعًا”، وإن تنبه الجميع بهذا، بأنه وفي ظل إغلاق كامل للمجال العام في مصر، اليوم، وتدمير متعمد لفكرة الجماعي لصالح النجاة الفردية، تظل مساحات هامشية وغائبة عن السلطة، وبعيدة عن المركز، مجالًا للمقاومة والإلهام وإنتاج صور وترويج روايات وأخيلة مغايرة للمهيمن، وتشكيل وعي جماعي قلق وناقد وغير مستقر، قادر على إزعاج السلطة ومفاجأتها، عند اكتشافه، بل والتغلب عليها في أحيان ليست بالقليلة.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...