شيزوفرينا السوريين مع أردوغان

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

كيف يُمكن لشاب سوري من غوطة دمشق أن يصف مشاعره وهو يتابع مُجريات القمة الأخيرة بين رؤساء تُركيا وإيران وروسيا في اسطنبول!.  هذا الشاب الذي اُقتلع من مدينته وبيئته الاجتماعية ودورة حياته اليومية نحو المنافي المجهولة. مشاعره وهو يُشاهد الرئيس التُركي رجب طيب أردوغان متوسطاً نظيره الإيراني والروسي مُشبكاً يداه بين أيديهم، موزعاً ابتساماته العريضة على الحضور!.

الأكيد، أنه كان يحيى مزيجاً من المشاعر المتناقضة التي تنتابه. فهذه القمة، ومثيلاتها الكثيرات من قبل، هي التي خلقت التوافق المُحكم بين هذه الدول، وأدت لتشييد صرح المأساة السورية، والتي كان ضحاياها ملايين السوريين الذين من أمثال هذا الشاب الغوطاني.

لكن مع ذلك، فأن هذا الشاب مُجبرٌ على الاستمرار بالاعتقاد بأن تُركيا وسياسيات رئيسها رجب طيب أردوغان، الذي يعتبر نفسه حاضناً للسوريين وقواهم السياسية وقضيتهم، أنما مُختلفة تماماً عن الدولتان المسؤولتين مباشرة عن مأساته العميقة، روسيا وإيران، بالرُغم مما يُشاهده يومياً من توافقات وابتسامات مُتبادلة فيما بينهم!. كيف له أن لا يعتقد ذلك وهو يتابع طريق نحو واحدة من منطقتين، اما محافظة إدلب أو منطقة جرابلس، الخاضعتان للنفوذ والهيمنة التُركية شبه المطلقة.

من مثل هذا الشاب، ثمة ملايين السوريين، المُنحدرين من البيئات التي انتفضت على النِظام السوري، بالذات من تلك الطبقات المُحافظة التي تحسست وآمنت بوجود وشائج ايدلوجية وسياسية ووجدانية وحتى طائفية مع أردوغان، المُنحدر من نفس بيئتهم الإسلامية المُحافظة، الذي اسموه “أسد السُنة” الذي يُمكن أن يدافع عنهم في مواجهة “أسدٍ الآخرين”.

لكن أحداث الثورة السورية وتحولاتها الرهيبة أفرزت مستويين سلوكيين عن أردوغان، واحدٌ خطابي ايدلوجي، وآخر سياسي موضوعي.

في المستوى الأول، أصر أردوغان، ومعه آلة دعائية وايدلوجية ضخمة رديفة له، على تصدير صورة رومانسية عن نفسه، كحامٍ للسورين الأشقياء، الذين يتعرضون لعملية محقٍ رمزية ومادية على يد نِظامهم المُجرم، متوعداً بالدفاع عنهم وحمايتهم ومنع حدوث المجازر بحقهم. مستخدماً كُل اشكال الغمز واللمز الطائفية والتاريخية والرمزية لخلق تلك المساحة المُشتركة بينه وبين السوريين، متوخياً تحويل نفسه من رئيس “عادي” لدولة جارة لسوريا، إلى زعيمٍ سياسي وطائفي، شبيه بأمثال الخامنئي والأسد.

لكن على المستوى الآخر، فأن سياسات أردوغان تجاه المسألة السورية كانت مفعمة بكُل اشكال البرغماتية والانتهازية، التي تُعزز سُلطويته الشخصية ومصالح الأمن القومي التُركي العُليا.  فعل أردوغان ذلك تماماً في كُل مفاصل الثورة السورية، بالذات بعدما آمن بأن النِظام السوري لن يسقط بهذه السهولة، وأنه محمي من قوى إقليمية ودولية استراتيجياً، وأن قوى المُعارضة السورية الرديفة لتُركيا لن تستطيع إسقاط النِظام بأية ضربة قاضية.

الفظيع أن أردوغان عايش جميع تحولات المسألة السورية، والتي شهدت بالمقابل تحولات نظيرة وأكثر تناقضاً في سياساته السورية، لكن مع المحافظة الدائمة على تلك الثنائية المُتباينة في الآن عينه.

فأردوغان دخل في كافة الصفقات الجانبية مع النِظام السوري عبر إيران وروسيا، مُنذ تسليم شخصيات عسكرية مثل حسين الهرموش، إلى ضبط الفصائل والتشكيلات العسكرية المُعارضة المُندفعة في مواجهتها للأسد، وليس انتهاء بدعم الجماعات المُتطرفة في مواجهة التيارات المدنية والتخلي عن المدن والمناطق الخارجة عن سيطرة الأسد. كُل ذلك في سبيل أن يستحصل من إيران وروسيا تنازلات سياسية وعسكرية، تدخل في خدمة الأمن القومي التُركي، كالسماح لتُركيا باحتلال منطقة جرابلس لقطع التمدد الكُردي أو احتلال منطقة عفرين ومحق إرادة سُكانها المحليين.

لكن طوال تلك المُجريات، فأن أردوغان لم يتخل عن نزعته الخطابية التقريعية بالدفاع عن السوريين وقضيتهم، بلغة ثيولوجية تستخدم مفاهيم الحق والإيمان والعدالة والمظلومية.

ليس الفظيع في الأمر قُدرة أردوغان الهائلة في الحِفاظ على تلك الثنائية المُتباينة، طالما تُحقق له مراميه في تكريس زعامته من جانب، وتأمين مستلزمات الأمن القومي التُركي من جانب آخر. لكن العجيب هو استمرار ذلك الطيف الواسع من ملايين السوريين برؤية أردوغان كشخصٍ استثنائي مدافعٍ عنهم في المأساة التي يحيونها.

ليس للأمر من تفسير واضح وناجز، خلا الركون إلى القول بأن المستوى المُريع لتخلي العالم، كُل العالم، عن السورين في مواجهة الوحوش التي  تنهشهم، دفعهم لتشبث بالكثير من الأوهام، وما الإيمان بالخلاص الذي يُمكن أن يأتي على يد أردوغان إلا واحداً منها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...