“قضية رقم ٢٣”… انتصار للفلسطينيين

تقول صحفية أمريكية في معرض تقديمها لمقابلة مع المخرج اللبناني زياد دويري، بصدد فيلمه المثير للجدل “قضية رقم ٢٣”: “كان ينبغي أن يُنظر إلى نجاح الفيلم على أنّه انتصار للفلسطينيّين: فهو يقدّم بورتريه مؤنسناً بعمق للتعقيد الذي يكتنف التجربة الفلسطينيّة،.. لكن، وللمفارقة، أُزيل الفيلم من قائمة الأفلام المقرّر عرضها في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2017 في رام الله”. 

كذلك، كانت تلك العبارة تقريباً لسان حالي إثر مشاهدة الفيلم أخيراً في صالات السينما الفرنسية، إذ يصعب إنكار أنه الفيلم الأكثر إنصافاً للشخصية الفلسطينية، أولاً عبر تقديم أحد بطلي الفيلم الرئيسيين كشخصية إيجابية (أداها بشكل مؤثر الفلسطيني كامل الباشا) بشكل لا يحتمل أحياناً، ويصعب أن تجد شخصية فلسطينية في عمل إبداعي لها كل هذا النبل والتسامح وجمال الروح. وثانياً عبر مشاهد عديدة تتضامن بعمق مع مأساة الفلسطينيين. 

ينهض الفيلم على حادثة عابرة، يبدو أن المخرج تقصّد أن تكون بالغة التفاهة، ربما ليظهر المفارقة الدرامية مع المآلات التي ستنتهي إليها الحادثة. صحيح أنها تبدأ من خلاف على مزراب، لكنها أكبر من قضية مزراب، تماماً كما يقال في الدارج “ليست حكاية رمانة، بل قلوب مليانة”. 

ياسر مهندس فلسطيني يعمل مع ورشته في حي مسيحي بيروتي، يفاجأ بسقوط الماء على رأسه من مزراب إحدى الشرفات. يكظم انزعاجه ويمضي إلى الشقة المعنية ليسأل صاحبها (الممثل عادل كرم)، الذي كان الفيلم قدّمه كقوّاتي (ينتمـي إلى حزب القوات اللبنانية) مفتون بـ “الحكيم” (سمير جعجع)، إن كان بالإمكان الدخول إلى منزله لإصلاح المزراب. يرفض طوني، وهذا هو اسم بطل الفيلم، بعد أن لاحظ، على ما يبدو، لهجة الرجل الفلسطينية. يقوم ياسر مع عماله بإصلاح أنبوب الماء من خارج البيت، لكنه يفاجأ عند انتهاء العمل بطوني يقوم عن عمد بتكسير الأنبوب. هنا تفلت أعصاب ياسر فيشتم طوني. 

تلك هي “الإهانة” (وهذا هو الاسم الأجنبي للفيلم) التي تنبني عليها كل أحداث الفيلم اللاحقة. إذ يجهد طوني في مطالبة خصمه الفلسطيني باعتذار. غير أن ياسر، لا يجد نفسه مذنباً. يرفض الاعتذار، لكنه يقبل تحت ضغط المشرف في العمل، يذهب على مضض إلى ورشة طوني (يعمل ميكانيسيان) (وقد أدّاه كرم ببراعة)، للاعتذار، هنا سنكون أمام مشهد مفصلي مشغول بعناية. ياسر واقف على باب الكراج، فيما طوني ينكبّ فوق سيارة يقوم بإصلاحها، صوت بشير الجميل، الرئيس اللبناني الذي قضى اغتيالاً، يملأ المكان بخطاب تحريضي ضد الفلسطينيين. طوني يتجه نحو ياسر عند باب الورشة ممتلئاً بقوة ذلك الخطاب، بينما ياسر في مكانه متردد، ينتظر وجهاً مريحاً من مضيفه يأذن له ببدء الاعتذار، غير أن الأخير ينطق بكلام، يبدو وكأنه مجرد ترجمة لكلمات الجميّل المتلفزة:

“أنتو شعب بلا أصل. لو تحترموا حالكن لكنت اعتذرت من زمان. مش غريب أن يكون صيتكم قذراً. كما قال اليهود: الفلسطيني لا يضيّع فرصة ليضيّع فرصة. يا ليته شارون مَحاكن عن بكرة أبيكم”.

إثرها سيقوم ياسر، وبدلاً من الاعتذار، بضرب خصمه بعنف. يتركه مرمياً على الأرض، ويمضي. بعد ذلك ستكون مجريات الفيلم بعهدة المحاكم، هناك سنشهد دراما من ذلك النوع المسرحي، حيث الحوار، الكلام، هو البطل. تصبح المحاججة هي الحدث، وهناك سيظهر كيف حمّل المزراب قضية وتاريخاً بحاله.

سنكون أمام محاميين، محامي طوني القواتي (يؤديه كميل سلامة) الناجح والمعتاد على كسب قضايا كبيرة، ومحامية الفلسطيني (ديامان بو عبود). الكفّة ليست متعادلة تماماً بين المحاميين، فلقد صُوّر المحامي كمتلاعب، أقرب إلى صورة محامي الشيطان، حتى لو كان مؤمناً بما يقول، أما المحامية فقد تبرعت للدفاع عن الفلسطيني لأنها تعرف أن ليس لدى الحق من يناصره. وبالتالي فإن المشاهد أقرب إلى التعاطف مع المحامية وموكلها الفلسطيني. لاحقاً سنعرف أن المحاميين ليسا سوى أب وابنته، وفي هذا الاختيار إشارة ذكية تعبّر عن صراع أجيال في لبنان، تقول إن بالإمكان أن لا يرث الجيل الجديد العقائد والأيديولوجيات والهويات نفسها. 

تبادل أدوار

 هنا لا بد من الإشارة إلى أن كاتبي السيناريو، زياد دويري، اليساري السابق والمناصر للحركة الوطنية اللبنانية سابقاً، وجويل توما، المسيحية اليمينية سابقاً، تبادلا الأدوار في كتابة شخصيتي هذين المحاميين، دويري كتب شخصية المحامي الأب، فيما كتبتْ توما شخصية المحامية، ولذلك، وكما يلمّح المخرج في إحدى مقابلاته، ستكتب الشخصيات على هذا القدر من التعاطف، وبقدر أقل من الأحادية.

سيجهد المحامي في محاولة إثبات أن تصرّف موكّله وعدائيته تجاه المهندس وعباراته بخصوص الفلسطينيين، لم تكن ابنة تلك اللحظة، وسيكشف في آخر المطاف أن موكّله طوني هو ابن بلدة الدامور التي ارتكب فيها الفلسطينيون، بحسبه، إلى جانب الحركة الوطنية اللبنانية، مجزرة أودت بمئات الضحايا وهجرت الآلاف من بينهم عائلة طوني.

لم تتمكن المحامية من إخفاء دمعتها، كذلك لم يتمكن المخرج من إخفاء غرضه السينمائي، فإسهابه في عرض مشاهد توثيقية من تلك المجزرة بدا وكأنه يستهدف المشاهد أكثر مما يستهدف المحكمة. (قد تكون تلك المشاهد على نحو ما تحية للسينما الوثائقية).  

في ضوء تلك المشاهد سيذهب الفلسطيني ياسر من جديد إلى كراج طوني، سيشتمه بشكل مفتعل، كما يشتم المسيحيين. كان واضحاً أنه يهدف لاستفزاز خصمه ليضربه، وهذا ما يحدث بالفعل. يضربه  طوني، يسقط ياسر أرضاً، ينهض، يعتذر، ثم يمضي. كانت تلك طريقته بالاعتذار عن مجازر أو تجاوزات ارتكبت باسمه. لم يفكر ياسر كما يفكر كثيرون اليوم، بأن لمجزرة الدامور سبباً هو مجزرة سابقة في الكرنتينا ارتكبت ضد الفلسطينيين، فلعله يعرف أن هذه الدائرة ستتكرر بلا نهاية، فمن السهل القول إن للكرنتينا سبباً أيضاً، أما هو فكان عليه أن يفتح الباب لفهم الآخر ودوافعه.

إن جزءاً من براعة الفيلم تكمن في مقدرته في أن يجدل هاتين الشخصيتين في بوتقة واحدة هي الضحية. ليس من حق الفلسطينيين وحدهم احتكار صورة الضحية، فإذا كان هؤلاء لاجئين في لبنان، فإن طوني هو لاجئ في وطنه. كذلك كان الطرفان ضحايا لتلاعب واستثمار قوى أكبر، طوني وجد نفسه أمام مكتب كبير للمحاماة يدافع عنه، ويدفعه لتصعيد القضية، وهو كان أقرب إلى التراجع عنها، كما شعر بالذعر حينما أراد الآخرون حشره في خانة المتحالفين مع إسرائيل. كذلك شاهدناه في لحظة إنسانية إزاء خصمه، عندما يخرجان معاً من لقاء رئيس الجمهورية، عندما تتعطل سيارة ياسر فيعود طوني  لإصلاحها، قبل أن يمضي إلى سبيله. ليس عبثاً أن يجهد المخرج في إسباغ مواصفات بعينها على كلا الشخصيتين، فكلاهما “يفضل الماكينة الألمانية على الصينية”، كلاهما ينتمي إلى عالم البضاعة الجيدة لا المزيفة. كلاهما ينتمي إلى عالم تدار فيه الحياة على طريقة الماكينة الألمانية.

 

ألغام للمستقبل

أظهر الفيلم تلك الحقيقة الإنسانية لجوهر الرجلين، التائهين وسط محكمة تحولت إلى ما يشبه مباراة كرة قدم يسعى جمهور كل فريق فيها للفوز وسحق الآخر، والتي بات لها امتدادها في الشارع،  هناك حيث نرى صاحب الشركة التي كان يعمل فيها الفلسطيني ياسر، وكان اعترض على وجوده، فصحيح أنه يتضامن مع القضية الفلسطينية، لكن قد يسبب له المتاعب (كفلسطيني غير مسموح له العمل)، لكن عندما يشتعل الشارع إثر المحاكمة سنراه الرأس المحرك للتظاهرات المدافعة عن قضيته. هنا تأكيد على التضامن الكاذب مع القضية الفلسطينية، إلى جانب اضطهاد الفلسطينيين!

على الرغم من أن المحكمة تحسم خيارها باعتبار ياسر (الفلسطيني) بريئاً، من دون أن تنطق بأي قول بحق خصمه، إلا أن ليس لحكمها أي أثر في سياق ما يدعو إليه الفيلم. فليست هي لسان حال المخرج على أي حال. وإذا كان هناك من قول يرمي إليه “قضية رقم ٢٣” فليس أكثر من فتح الباب لفهم الآخر، والنظر إليه كضحية أيضاً.  

إنه فيلم بارع وذكي بالتأكيد، لم يضعفه إلا المبالغة في التحميل السياسي والترميز المباشر، كتلك العودة الفجة لـ “أيلول الأسود”، المجزرة التي التي ارتكبت بحق الفلسطينيين في الأردن، واعتبارها جزءاً من الماضي العنيف لياسر الفلسطيني، الذي يتكرر على نحو ما في لبنان. وكذلك رمزية طفلة طوني الوليدة التي تعامل معها الفيلم كمعادل للبنان الكائن في حاضنة اصطناعية، فيما تكاد تودي بها الأحداث من حوله، بما يشبه “دائرة الطباشير القوقازية”.

لا يقترح الفيلم استنباط مقولة تدين طرفاً أو تؤيد آخر، إنما يكتفي بالدعوة لعدم التسليم إلى حقائق الماضي، وكذلك لفتح النقاش حول ما يعتبر مسلّمات، وملفات أغلقت بدعوى التسامح وعدم إثارة الفتن. 

أما وقد أصرّت الممانعة وحركات المقاطعة على طرد الفيلم من رام الله، وغيرها من  مدن عربية، بهذه الحجة أو تلك، فإن ذلك لن يكون إلا أشبه بألغام مخبأة للمستقبل، لا يمكن التكهن بلحظة انفجارها. 

زياد دويري

 

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...