قصة عماد

جلستْ ليلى في الباص الصغير الذي يوصلها الحيّ الذي تسكن فيه في ضواحي مدينتهم شبه الصحراويّة، وضعتْ الكتب الجامعيّة على الكرسي جانبها. كان الحاج جميل الرجل الطاعن في السن يجلس أمامها بعد أن عاد من رحلته الشهريّة إلى وسط المدينة من أجل استلام راتب التقاعد الذي لا يكفيه إلا عشرة أيام في الشهر. وخلفها كان يجلس عبدو، جارهم الأميّ الذي يحبها في سرّه، ولا يستطيع الإفصاح لها عن حبه خوفًا من العادات الإجتماعيّة التي تحرّم الحب العلنيّ.

كان السائق أبو يحيى يدندن كلمات الأغنية المذاعة من راديو باصه القديم -كانت أغنية بصوت صباح فخري تقول: يا مال الشام ويلا يا مالي/ طال المطال يا حلوة تعالي- حين أوقفه عماد. طلب منه وضع أغراضه في السيارة وإيصالها إلى الحيّ، هو سوف يسبقهم مشياً إلى هناك.

كانت أغراضه مؤلفة من سبع مصابيح حمراء وعشرين خشبة طول كلّ منها متر ونصف وعرضها ثلاث سنتيمترات ومخدتين وثلاثة أعلام لثلاث دول مختلفة.

“انتبه إلى أماكن خطواتك هذه المرة” قالت ليلى مذكرة إياه بالطفل الذي دهسه خلال تجواله في الحيّ يوم أمس.

اليوم السابق كان يومًا حافلًا بالنسبة لعماد، فهذا الشاب اللطيف الذي لم يمتلئ بطنه منذ مئة وستة وعشرين عامًا -أي منذ ولادته- كان بانتظار مفاجأة كبيرة. لقد قرر أهل الحي الفقير التضحية ببعض أموالهم وبعض النفقات الخاصة بالأطفال والنفقات المتعلقة بمشروعات تحسين مشكلات الصرف الصحي من أجل توفير طعام كاف لإشباعه، فاشتروا خمسين خروفاً من البدو المنتشرين في الصحراء القريبة في جهة الغرب، وجلبوا صندوقاً كبيراً مليئاً بالسمك الذي تم اصطياده خصيصاً لهذه المناسبة من النهر الذي يبعد خمسين كيلومتراً عن المدينة باتجاه الشمال، ومئة وخمس وعشرين رغيفاً خبزتها جدّات الحي الثلاث خلال يومين كاملين ومئة دلو من اللبن البارد.

كان فرح الناس عظيماً برؤية عماد وهو يلتهم الطعام، كان يأكل كلّ خروف حيّ بلقمتين ومن ثم يشرب بعض اللبن وبعد ذلك كان يلّف سمكة بالخبز ويبلعها بلقمة واحدة، هكذا دواليك حتى أتى على الطعام كلّه إلا رغيف خبز واحد قدمه لطفلة كان تنظر إلى طعامه باشتهاء.

“ماذا تريد أن تفعل بهذه الأغراض يا عماد”؟ سأل الحاج جميل ذو العين الواحدة عماد. “والله لا أعرف يا حاج، طلب مني أبو أديب نقل هذه الأشياء إلى الحيّ والتوجه إلى هناك”. “لا بأس لا بأس، لكن تذكر ما قالته لك ليلى، انتبه إلى أماكن خطواتك” قال الحاج الذي لا يعرف أحدٌ من سكان الحي لماذا يُكنى بالحاج وهو لم يرَ من العالم سوى الحيّ ومبنى تسليم الراتب التقاعدي.

وصل عماد إلى الحيّ خلال ثلاثين خطوة وجلس في موقف السيارات الوحيد ينتظر وصول أبو يحيى كي ينقل الأغراض إلى بيت أبو أديب. أصابته حالة من الكآبة حين رأى الأطفال يبتعدون عنه كي يلعبوا كرة القدم. تذكر كلام ليلى والحاج جميل. تذكر ما حدث يوم أمس حين دهس طفلاً يحبو لم يره وهو يقفز فرحاً بسبب شبعه. قرر ترك الحيّ والعودة إلى بيته-كهفه.

بقي معتكفاً لا يخرج على الناس لأكثر من خمسة شهور، كان يخرج ليلاً لفترات قصيرة يتصيد بها الكلاب الشاردة وبعض الذئاب المتجولة في المناطق غير المسكونة كطعام يعينه على تحمل الحياة. كان في كهفه يفكّر بالأطفال الذين قتلهم دون أن يراهم لصغر حجمهم مقارنة به. كان يفكر بالناس الذين يحبونه رغم قتله لأبنائهم وكأنه قدرٌ لا فكاك منه.

بدأت الأقاويل تنتشر في الحيّ عن رحيله أخيراً عن هذا المكان. كلّ الموجودين هنا وُلدوا وعماد بينهم، لا يدري أحدٌ تاريخه أو اسمه الحقيقي، أطلق عليه أبو أديب هذا الاسم منذ خمسين سنة أي حين كان أبو أديب طفلًا لا يتجاوز العاشرة، بعد أن مات أخوه ذو الثلاث سنوات “عماد” حين دهسه عماد صدفة وهو يتمشّى في الحيّ.

خرج عماد من بيته الكهف حين ناده أبو أديب. كان الرجل واقفًا هناك بانتظار خروج عماد. كان يعرف في قرارة نفسه أن عماد لن يغادر الحي دون أن يقول له شيئاً أو أن يودّعه على الأقل. فهو كان يعتبر عماد مثل أخيه عماد الذي قُتل. وكذا الأمر بعماد الذي لم يعرف شيئاً عن حياته السابقة، فذاكرته قصيرة مقارنة بباقي البشر، وهل هو بشر؟ هذا السؤال الذي كان يسأله لنفسه دائماً، وهكذا كان يتساءل الناس. لكن السؤال يختفي مع مرور الأيام، إن لم يثره أحد ما، من عقول الناس ويبقى عالقاً في عقل عماد، سؤالاً لا جواب له.

عماد مثل باقي البشر له الأعضاء الجسمانيّة نفسها، لكنها أكبر حجماً بشكل غير منطقي، طول رجله اليمنى عشرون متراً واليسرى أقصر بمتر. لم يُعرف له قريب أو صلة بأيّ إنسان خارج الحيّ، تقول الأساطير أنّ أمه كانت غولة كبيرة تسكن بالقرب من نهر الشمال وأبوه واحد من رجال بدو صحراء الغرب الأشداء. وقع الأب في حب الغولة فقرر الزواج بها، أوقعها بحبه وكانت نتيجة الحب هذا الولد الذي قتل أمه حين وُلد. وُلد هذا الشيء قادرًا على المشي وعلى التكلم بلغتين، لغة البشر ولغة الغيلان.

كان أبو أديب يعاتب عماد على انطوائه وعدم مشاركته في الأحداث العظيمة التي حدثت في الحيّ مؤخراً، وعن الذين ماتوا من أهل الحي بسبب كتل النار الضخمة التي تهبط من السماء. حدثّه أبو أديب عن الحصار وعن سقوط الناس جوعاً، حدثّه بكلمات لم يعرف عماد معانيها، رغم عمره الطويل لم يسمع بهذه الكلمات فهو لم يغادر الحيّ مطلقًا والكلام المتداول هنا كلماته قليلة لا توسّع فيها.

أثناء وقوفهم شاهدوا كتلة النار تأتي من السماء على الحيّ البعيد عن مكان وقوفهم. حمل عماد أبو أديب على كتفه وركض به إلى مكان سقوط كتلة النار، كان بيت ليلى قد هُدّم جراء الانفجار ومات كلّ من في البيت، أي العائلة كلّها. كان عبدو يبكي حبّه الضائع الذي اختفى تحت أنقاض البيت.

كان حزن عماد شديداً، أراد أن يساعد الناس بطريقة ما. قرر بعد تفكير طويل، وبعد أن شاهد بعينه عدداً كبيراً من كتل النار تقتل والناس وتهدّم بيوتهم، أن يقف في منتصف الحي ويفتح فمه الكبير الأشبه بفوهة بركان ويبتلع هذه الكتل الناريّة، فهي لن تؤثر به شيئاً، أكبر هذه الكتل أصغر من خنصره.

هكذا وقف عماد يلتهم النار كما لو أنّها سكاكر العيد، كان سكان الحيّ يتقافزون حوله جذلين كلّما أكل عماد”هم” كتلة ناريّة جديدة. كان عماد يصيح بصوتٍ عالٍ وكأنّهم يريد لقاذف كتل النار أن يسمع: “ارمِ كتلك الناريّة كلّها ارمها هنا في فمي، سأبلع النار.. كلّ النار”. زال شبح الموت من السماء، إذ بقي عماد واقفاً هناك شهراً بأكمله، لكن شبح الجوع كان يفتك بالناس.

امتلأ بطن عماد بكتل النار. لم يعد يحتمل المزيد. امتلأ عن آخره. قال للذين حوله مرات عديدة: كتلة أخرى وانفجر. لم يصدقه أحد، كانوا يريدون سقفاً يحميهم من كتل النار المتساقطة عليهم. طلبوا منه أن يكمل مهمته. كان يفكر في أن يتركهم لوقت قليل كي يستريح، رجاه أبو أديب بشدّة، لم يرد أن يخيب ظنه من كان بمثابة أخيه.

عشرون كتلة ناريّة اتجهت نحوهم في وقت واحد. تلقى عماد هذه الكتل بفمٍ مفتوح فانفجر وتطايرت أشلاؤه وغطى  لحمه شوارع الحيّ. رأى الناس في ذلك اليوم دماء عماد الحمراء تصعد نحو السماء محمولة على كفوفه الضخمة. كان الناس مذهولين من هذا المنظر العجيب حين صرخ بهم الحاج جميل: “اجمعوا لحمه وضعوه في مكان ما، ولنسرع إلى الملاجئ فإنّ كتلاً ناريّة جديدة ستنزل علينا قريباً. لا تتخلصوا من هذا اللحم ففي هذا الحصار لا طعام لدينا سوى لحم هذا الغول”.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...