من المزرعة لقاسيون – بيتي هون 10

من الذاكرة

كتير من الأسباب بعدتنا كسوريين عن الحصول على حق من الحقوق ويلي هو البيت، لنتنقل من بيت لبيت،  ومن حارة لحارة ومن منطقة لمنطقة تحت رحمة المؤجرين، والتغيرات الاقتصادية، ليصير البيت حلم، حلم بكل معنى الكلمة.

كتير من الناس يلي قدرت تحقق هاد الحلم وتشتري بيت، باتت اليوم بعيدة آلاف الكيلومترات عن هاد الحلم، بينما في جزء كتير كبير من السوريين عاش بحالة هجرة دائمة داخل الوطن، ليضطر اليوم يغادر حتى فكرة الحلم بالحصول على بيت جوات الوطن.

ضيفتنا لليوم الشاعرة رشا عمران يلي بتعيش حالياً بالقاهرة كمان ببيت بالأجار، بتقول أنه حتى بسورية، يلي من المفترض هي وطني، ما عشت فيه ببيت بملكه. كل البيوت التي سكنتها كانت مستأجرة كمان، عشت بعشرات البيوت، بين الشام وطرطوس، كلها مستأجرة، سواء لما كنت لسا عايشة مع عائلتي، أو لما تزوجت، ولاحقاً لما انفصلت وعشت مع ابنتي لحالنا. هذا التنقل المستمر من بيت إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، ومن حارة إلى حارة ثانية، كان كافي ليخليني امرأة فاقدة إحساسها بالأمان.

الإحساس بالأمان يلي ازداد فقده مع ابتعادها عن سوريا، وعن ضيعتها وعن مدينتها المختارة دمشق.

للصوت 

كتبت رشا عمران: وانا في سوريا. حين كنت أفكر بالموت أتخيل مكان دفني. في تربة قريتي تحت ظل شجرة سنديان كبيرة. كنت أقول أن روحي ستمشي في التراب وتتسرب إلى نسغ زيتونة قريبة وستظهر في حبة زيتون أو ربما في عنقود عنب أو ثمرة تين أو صبار، التين والعنب والزيتون والصبار يتنفسون في قريتي ذات التراب. تذكرت هذا وأنا أقرأ لريم بنا ما كتبته قبل أيام .أنها ستعود في الورد والعشب وستقفز كغزالة إلى شرفة بيتها وتدخل لتعد الطعام . هنيئا لمن يدفن تحت شرفة بيته. لمن تبقى له بيت وقبر.

بتضيف رشا لما سألناها عما كتبت أنه الوطن ليس فقط مكان الحياة والعيش بل هو أيضاً مكان لاستقرار من نوع آخر، عن الحياة والمدن والشوارع كان لقاءنا مع رشا عمران الشاعرة.

كملوا معنا سماع هي الحلقة من بيتي هون

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

– – – –

والصورة

بجوز ما يكون عند ناس بيوت فبتتحول المدينة كلها لبيت كبير لألنا، وبيتحول كل فضاء من شمال سوريا لجنوبها لبيوت، هاد الفضاء يلي عم نكمل فيه حكاية الشاعرة رشا عمران .. بمقتطفات من شعرها ومع أجزاء من لقاءها معنا مع صور من مدن وشوارع حبتها ..

الملاجة الضيعة وبيت رشا  الأول بيت الطفولة، ويلي بيبعد عنها كتير اليوم، بسبب رؤيتها السياسية ومواقفها، وبسبب الشحن الكبير من النظام ضد كل معارضيه، صار بيت الطفولة بعيد كتير عن رشا. بس هيه حاولت تحافظ علىى الارتباط مع الناس يلي حبتهن وحبوها وعاشت معهن، وحاولت تحافظ على الود بإنسانية عالية، مشان هيك بتضل رشا بتتذكر ضيعتها والناس يلي عاشوا فيها

غزل كتبه الشاعر محمد عمران بقريته بيقول فيه: ((يكتب على شفتي الملاجة، أعلنك قمحاً وأدعو الحمائم جميعاً وأقيم عرساً لبيدرك الذي يبتدئ فصل الحب. يكتب على شفة الملاجة أيها الخبز الأشهى أغمسك بالحب))

الملاجة يلي تغزل فيها عمران الأب تابعت مشروعه الابنة، ليتحول الفضاء كله لبيت كبير بيضم عدد كبير من الشعراء والفنانين من حول العالم.. وهيك تحولت القرية لبيت كبير استضاف فيه أهل الملاجة كل الناس يلي أجوا وعاشوا معهن تفاصيل ايامهن وفنهن.

من الملاجة وطرطوس انتقلت رشا مع أهلها للشام بسبب طبيعة عمل والدها، وهنيك بلشت رحلة تانية لمفهوم البيت، ما عاشت رشا بمكان واحد، واتنقلت بين بيوت كتيرة، هاد الشي خلا علاقتها مع المدينة والمكان مجزأة، وذاكرتها مجزأة، من الطفولة هاد الشي يلي خلى الطمأنية مفهوم غائب.  

تنقلت رشا بين كتير بيوت بالشام من وقت كانت طفلة وتابعت هي الرحلة لما كبرت.

المنطقة يلي بالصورة من حي المزرعة آخر البيوت يلي سكنتها رشا، ويلي تركته على عجل..

تركت  رشا بهاد البيت تاريخ من الذكريات، تاريخ من اللوحات المهداة من فنانين تشكيليين، من مكتبة كبيرة، كانت حريصة أنه تاخدها معها بكل البيوت يلي سكنتها، تركت هنيك ذكريات ناس زاروا هاد البيت، فرح وضحكات، ولحظات بتحاول تضل حاضرة دائماً.

لما بلشت الثورة السورية، حلمت رشا متل ملايين من السوريين أن الوطن رح يصير حقيقة قريبة، مو بس شعار هلامي، سنة كاملة عاشتها متل ما بتوصفها بحلم يقظة، اكتشفت رشا لاحقاً، أنه أحلام اليقظة أصبحت كوابيس يومية، لأنه ممنوع علينا حتى أن نحلم، ثمن أحلام السوريين بوطن حقيقي كان الدم. أما الوطن الذي حلمنا به فلم يعد له أي أثر.

 – – – –

نبذة عن الكاتب

عمرو سواح

معد ومقدم برامج في راديو سوريالي .ناقد مسرحي وكاتب ومحرر. يقيم حالياً في مدينة بوردو

Loading Facebook Comments ...