بين الجزائر وسوريا: هل وقع ما حدث فعلاً؟

 

في كتابها “السياسة والحقيقة”، وصفت حنة آرندت تلك العلاقة بين الفعل السياسي والكذب، قائلةً “يمكن اعتبار اللجوء إلى الكذب إحدى الوسائل الضرورية والمشروعة، ليس فقط لكل من يمتهن السياسة ويمارس الديماغوجية، بل وكذلك لمارسة الحكم. كيف يمكن تفسير هذا؟ وإلى أي حد يؤثر هذا الأمر في طبيعة وقيمة المجال السياسي من جهة، وفي طبيعة وقيمة الحقيقة والنية الحسنة من جهة أخرى؟”.

التعويض الفرنسي عن حرب الجزائر

في شباط الماضي، أصدر المجلس الدستوري الفرنسي قرارًا يقضي بالموافقة على منح تعويضات للجزائريين الذين تعرضوا إلى “أعمال عنف وتعذيب” خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وهو قرار جاء بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان “اليهود الجزائريين” حصولهم على قرار بالتعويض من ألمانيا عن جرائم النازية.

القرار جاء في أعقاب شكوى تقدم بها مواطن جزائري تعرض إلى أعمال عنف لما كان عمره ثماني سنوات، حسب وكالة الأنباء الفرنسية، وجاء في قراءة المجلس الدستوري الفرنسي، أنه لا يمكن التفريق بين الضحايا على أساس جنسياتهم، ما دام قد تعرضوا إلى إعمال عنف فوق التراب الفرنسي عند وقوع الأفعال التي رفعوا شكوى بشأنها.

في كتابه “تاريخ الكذب”، يروي جاك دريدا عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي حكم فرنسا من 1995 وحتى 2007،  حادثة اعترافه بصفة رسمية، بالذنب الذي اقترفته الدولة الفرنسية، أي مسؤوليتها عن ترحيل عشرات الآلاف من اليهود وقت الاحتلال، وعن إصدار القوانين الخاصة بهم وعدة مبادرات أخرى، والتي لا يمكن تفسيرها بالرجوع إلى ضغوط المحتل النازي فقط.

جاك دريدا

يكتب دريدا بهذا الخصوص: “وهكذا إذن، تم الاعتراف بصفة لا رجعة فيها، بالمسؤولية والمساهمة الفعالة في ما يعرف في أيامنا هذه بـ “ارتكاب جريمة ضد الإنسانية”، وهذا الاعتراف صدر عن دولة بصفتها تلك، وتم الختم عليه من طرف رئيس دولة انتخب عن طريق الاقتراع العام”.

إن التساؤل الذي يقترحه تالياً جاك دريدا في كتابه “تاريخ الكذب” هو الذي يمكن استعادته اليوم أمام قرار المحمة الدستورية الفرنسية بشأن أضرار حرب الجزائر: “ماذا يمكن القول في حق ما قام به رؤساء الجمهورية السابقين من ]شارل[ ديغول إلى ]فرانسوا[ ميتران، والذين امتنعوا عن الإفصاح رسمياً، عما أصبح يعتبر على مستوى الدولة حقيقة تاريخية، أكان كذباً أم إخفاءاً ؟ وهل يجوز لنا أن نطرح تساؤلاً من هذا القبيل؟ ألا يمكن لهؤلاء الرؤساء أن يتهموا بدورهم شيراك بـ “الكذب”؟ هل يمكن القول بأن أحداً ما قد كذب؟ من منهم الكاذب ومن منهم الصادق؟ وهل بإمكاننا الحديث هنا عن الكذب؟”.

اليوم، بالإمكان إعادة الأسئلة ذاتها أمام قرار المحكمة الدستورية الفرنسية، فماذا يمكن القول في حق ما قامت به الحكومات والجمهوريات الفرنسية المتعاقبة في كيفية تعاملها مع المتضررين من حروب فرنسا في الجزائر؟ هل يمكن لنا اعتبار الجمهوريات التي تعاقب على رئاستها عدة رؤءساء من شارل ديغول إلى فرانسوا هولاند، والتي أنكرت حقوق الجزائريين المتضريين بالتعويض، في إطار الأنظمة السياسية التي مارست الكذب إزاء الجرائم التي تصنف الآن ضمن جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر؟ هل سيتغير تاريخ الكذب في العلاقة بين المستعمَر والمستعمِر؟

ما هو الكذب؟

يعرف الفيلسوف عمانويل كانط الكذب بالعبارات التالية: “الكذب يعرف بكل بساطة على أنه تصريح مخالف للحقيقة بطريقة متعمدة، يقال للآخرين، فهو ليس بحاجة أن يكون مشروطاً بإلحاق الأذى بهم، الشرط الذي يعتمده القانونيون في تحديدهم للكذب. ففي جميع الحالات يلحق الكذب الأذى بالآخرين، والحال أنه عندما لا يلحق الأذى بإنسان معين فهو يلحقه بالإنسانية جمعاء، وذلك لأنه يستبعد منبع الحق ويبطل صلاحيته”.

الصورة في الحدث السوري

مع بداية الحدث السوري في العام 2011، سادت قناعة لدى الإعلام العربي والعالمي، ولدى الرأي السياسي العربي والعالمي أيضاً، أنه يستحيل إخفاء ما سيجري من أحداث في سوريا لأننا في عصر الصورة، وقدد ردد الكثير بإيمان مطلق أن العام 2011، يختلف عن العام 1982 حيث لم يصدر في ذلك الوقت ما يكفي من الوثائق الدالة على الأحداث التي جرت في حماه، ذلك أن عصر الصورة هو ما نعيش اليوم، فوجود شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي ستجعل من الحدث السوري موثقاً على مرأى ومسمع من سكان الكوكب كاملاً.

فهل كانت هذه المقولة دقيقة ؟ وما الذي أثبتته الأحداث الواقعية التي جرت على التراب السوري تالياً؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، دعونا نعود إلى ما كتبته حنة آرندت في العام 1967، تحت عنوان “السياسة والحقيقة”، وهو ما سيشكل صدمة للمتفاءلين بدور الصورة في توثيق الجريمة السياسية وكشف الحقيقة، فقد كتبت آرندت عن الإعلام والصورة: “نجاعة الأكاذيب السياسية العصرية، لا تظهر من خلال التعامل مع أسرار، بل وقائع معروفة تقريباً من طرف الجميع. وهذا يبدو واضحاً من خلال الطريقة التي تعاد بها كتابة التاريخ المعاصر على مرأى ومسمع من أولئك الذين عاينوا الأحداث، وكذلك من خلال خلق صور من شتى الأنواع. ذلك لأن الصور لا يطلب منها أن تمالق الواقع، ولكن أن تحل محله كلياً. ونظراً إلى التقنيات العصرية ووسائل الإعلام، فإنه يصبح من الطبيعي أن يتمتع هذا البديل بأهمية أكبر من تلك التي يحظى بها الأصل”.

إن آرندت إذاً، ترى في تطور وسائل الإعلام وازدياد دور الصورة عوامل تساعد على تشويه الحقائق وتزييفها بأكثر مما تساعد على كشف الحقيقة: “الصورة هي الكلمة المفتاح أو المفهوم الأساس لكل التحليلات المتعلقة بالكذب السياسي، كما يمارس في عصرنا الحالي، صور مصطنعة، صور كاذبة، صور للدعاية، صور مفبركة”.

وفي هذا الإطار يعلق جاك دريدا بدوره في كتابه “تاريخ الكذب” على ما جاءت به آرندت عن دور الصورة بمايلي: وبناءاً على هذا، فالصورة – البديل لم تعد تحيل على أصل تسعى لتقديمه، وربما إلى تمثيله بصفة إيجابية، بل إنها تحل محله بصفة إيجابية، أي أنه حدث تغيير في حكمها وتحولت من ممثل إلى بديل. ومن ثمة، فمسلسل الكذب كما يمارس في عصرنا هذا، لا يقتصر على مجرد إخفاء وحجب الحقيقة، بل يسعى إلى نقض الواقع أو الأرشيفات الأصلية”.

والآن، بعد خمسين عاماً على نص آرندت، أليس ما وصفته هو ما وقع تماماً في الحدث السوري؟ ألم تسعى كل الأطراف المتصارعة على الأرض السورية إلى ابتكار وإنتاج صور تؤكد رؤيتها وسرديتها عن حقيقة ما يجري؟ ما الذي استفادته الثقافة الإنسانية من التغني بالصورة وبوسائل التواصل الإجتماعي إذا لم تستطع أن تكون الصور والميديا فاعلةً في تثبيت حقيقة مجزرة أو آثار حرب راح ضحيتها آلاف المدنيين؟

هل أطلقت الحكاية السورية النار على كل التفاؤل الإنساني حيال توثيق الأحداث السياسية والمحاسبة الجنائية عليها؟ أم أنه لابد وفي لاحق الأيام أن تعترف الأنظمة والقوى الفاعلة في الحدث السوري بآلام الضحايا وتقترح التعويضات؟ لا أحد يملك جواباً أو توقعاً على هذا التساؤل، لكن من يومنا هذا إلى وقت تحين لحظة الاعتراف والاعتذار فلنساعد الضحايا على التحمل الصامت لآلامهم والشرور، والتي أشدها ولاشك، هي إنكار الرأي العام العالمي أن ما وقع لهم قد حدث فعلاً.

نبذة عن الكاتب

علاء رشيدي

قاص، صحفي ثقافي، ومدرب إعلامي. صدرت له مجموعتان قصصيتان عن دار أطلس للنشر.

Loading Facebook Comments ...