السوريون الذين مثل رئيسهم الأول

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

في السيرة الشخصية والمُجتمعية والسياسية لأول رئيس للاتحاد السوري الذي كان في عشرينات القرن المنصرم صبحي بركات الخالدي، فيها الكثير من القضايا والأدوات والدلالات المُستعادة راهناً، والتي يُمكن عبرها وعي بعض المُجريات الحالية في سوريا المُعاصرة، بالذات فيما خص طبائع النُخب السياسية والثقافية والمُجتمعية السورية، من الذين تتطابق خياراتهم وتحولاتهم السياسية، وحتى سياقات حيواتهم، بما كان عليها الخالدي وقتئذ.

حسبما يذكر المؤرخ الشهير فيليب خوري في كتابه “سوريا والانتداب الفرنسي” فأن الخالدي بدأ حياته العامة كوطني عُثماني/تُركي، قاد وخاض المناوشات المُناهضة للهيمنة العسكرية الفرنسية على منطقة كيلكيا في بدايات الحرب العالمية الأولى، والتي أدت لاندلاع الحرب التُركية الفرنسية. لكن يبدو أن الخالدي قد اكتشف في بداية الحرب أنها قد تطول لسنوات، وأن مُستقبل الدولة العُثمانية/التُركية ليس مضموماً، فانتقل ليغدو أحد أعيان أنطاكيا التي كانت جزء من المملكة السورية، ويشارك في المؤتمر السوري العام عام 1919، والذي على أساسه تكونت المملكة السورية، التي كانت بالتضاد التام مع الدولة العُثمانية/التُركية التي كان الخالدي يُدافع عنها، حتى قبل شهورٍ قليلة.

المملكة السورية التي ما لبثت أن تحطمت بعد شهورٍ قليلة، وخضعت بدورها للاستعمار الفرنسي، وهو ما دفع الخالدي لأن يكون واحدٍ من رِفاق الثائر إبراهيم هنانو في شمال غرب سوريا؛ لكن رواية سيرة الخالدي تذهب للقول بأنه تعرف على الجنرال غورو في بيروت، وتحسس عبر علاقته معه قوة الموقف الفرنسي، فتخلى عن رفيقه هنانو وأخذ يُبدل خياراته السياسية، وصار بين ليلة وضحاها من أشد المؤيدين للفرنسيين!!.

اندمج الخالدي في الحياة السياسية السورية حسب الشروط الفرنسية التي كانت، وفاز بمقعدٍ لتمثيل مجلس دويلة حلب في المجلس السوري الأعلى. ولبرغماتية الخالدي العالية، استطاع أن يتلاعب بمُختلف الحساسيات السورية، خصوصاً تلك التي كانت بين ممثلي دويلات حلب ودمشق وجبل العلويين في المجلس الأعلى، واستطاع أن يحصل على ثقة أغلبية منهم، ويُصبح رئيساً للاتحاد السوري، بالرُغم من كونه تُركياً ولا يعرف إلا بعض الكلمات والعبارات القليلة باللغة العربية.

بقي الخالدي رئيساً للاتحاد السوري لأكثر من ثلاثة أعوام، إلى أن أُجبرته سُلطات الانتداب الفرنسي تقديم استقالته في نهاية عام 1925، بعدما أظهر قبولاً لقصف الفرنسيين لمدينة دمشق أثناء الثورة السورية الكُبرى، وأصدر قانوناً يُعاقب بالسجن على كُل الذين اسماهم قانون الخالدي ب”يلقون الذُعر في نفوس الشعب”، وكان يقصد به الأشخاص والقوى السياسية التي تؤيد قائد الثورة سُلطان باشا الأطرش.  كذلك فأن الخالدي كان حتى ذلك الوقت لا يعترف بدمشق كعاصمة لسوريا الموحدة، وشديد الولاء لمدينة حلب ومُطالباً بأن تكون هي عاصمة سوريا الموحدة.

  بعد سنوات من ولاء الخالدي للفرنسيين ومُناهضته لقوى الاعتراض السورية، التي كانت تُمثلها الكُتلة الوطنية السورية، وما أن أحس بأن توازن القوة قد تبدل بين الطرفين، فأنه أخذ يُغير مواقفه جذرياً. فقبل بالتسوية مع قوى الاعتراض في المجلس النيابي الذي اُنتخب في العام 1932، وصار بالتقادم اقرب لخيارات الكُتلة الوطنية، إلى أن حدث اضراب الستين الشهير، والذي على اساسه اضطربت العلاقة بين السُلطة الفرنسية والكُتلة الوطنية، التي كانت قد شكلت لجنة عملٍ لتفاوض الفرنسيين، اُنتخب الخالدي أحد أعضائها، لكنه فضل المُغادرة إلى انطاكيا حتى تتضح الأمور بين الطرفين، وهُناك وافاه الأجل، في وقتٍ كانت أنطاكيا قد صارت جزء من تُركيا، مع كامل لواء الأسكندرونة.

سيرة الخالدي، بكُل ما فيها من تحولات وبراغماتية و”انتهازية” وقفزٍ على الحِبال، ليست غريبة تماماً عن طبيعة النُخب السياسية وحتى “الثقافية” السورية الراهنة. ليس لتطابق الظروف السياسية والكيانية القلقة التي كانت في سنوات تأسيس الكيان السوري بالتي تُحيط بسوريا راهناً. بل لسببين أكثر وجاهة.

من جهة لطبيعة الفعل السياسي الداخلي. فسوريا الراهنة مثل تلك التي كانت في عهد الانتداب الفرنسي، دولة مُحتلة، يُمارس فيها السوريون السياسة بالشرط المفروض عليهم من قِبل هذا الاحتلال، وهو شرطٌ يفرز ويُصعد نُخباً وسياسيين مثل الخالدي بالضبط، لا يتوخون شيئاً خلا السُلطة وإرضاء من هُم فوق أي قانونٍ أو سياسة.

من جهة أخرى، لأن الحياة العامة في الظروف العصيبة مثل التي يحياها السوريون راهناً، تخلو من أية معايير أخلاقية ومعرفية وسياسية، تغدو معه جميع الخيارات والتوجهات مُتطابقة فيما بينها، عدمية وخالية من أي تمايز. وقتئذ بالضبط، يغدو الانتقال من خنادق الثورة إلى محابة المُحلتين ومن ثُم العودة إلى صفوف الاعتراض سلساً ولا يُلاحظ فيه أية فجائعية، بالضبط بالضبط كما يحدث حالياً وبكثافة، في سيرة الكثير من السوريين، الذين ما زالوا على شعيرة رئيسهم الأول.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...