18 عاماً من الغياب تنتهي بفيلمٍ عن الجسد والروح

من مشهد طويل هادئ ومسالم لغابة باردة وأيل وغزالة يبحثان عن الطعام ويشربان من جدول بارد ويتلامسان برقة وحميمية إلى قطع حاد نصل معه لمسلخ لحوم في بودابست، برفقة هذه المفارقة المباشرة كانت افتتاحية فيلم “عن الجسد والروح”- on body and soul للمخرجة الهنغارية إلديكو ايندي، الفيلم الذي حاز على دب برلين الذهبي لهذا العام بعد انقطاع مخرجته عن العمل لمدة ثمانية عشر عامًا.

ينساب الفيلم بهدوء وبتواتر بطيء ليصل إلى الروح بلا مشاحنات أو فوضى، لم يعتمد على الدراما بل على حبكة سلسة وسرد بسيط عبر كلمات قليلة ومكثفة مترافقة مع مساحة واسعة من الصمت. فيلم بلا قصص معقدة، على العكس قصة حب بسيطة تؤثر على العاطفة وتأسرها دون استدرار للعواطف، ومع بساطة القصة التي وضعت بها الشخصيات استطاع الفيلم كشف عوالم عزلة هذه الشخصيات وتمزقها الداخلي.

يروي الفيلم قصة حب بين أندريه المدير المالي لمسلخ في بودابست ومراقبة الجودة المؤقتة ماريا، ضمن جدران المسلخ ، وخلفه ضمن إطار الاحلام لبطليه.

يعمل أندريه في المسلخ منذ مدة طويلة وهو مصاب بشلل في ذراعه، ليس اجتماعياً، لديه أولاد يزورونه كل فترة وبعض زملاء العمل ولديه علاقات سابقة سئم منها. وماريا شابة مصابة بدرجة من التوحد تجعلها غير قادرة على التواصل مع الآخرين فهي غير قادرة على المبادرة بفعل لم تخطط له سابقاً وغير قادرة على القيام بحوار أو ملامسة أحد.

 

 تضع المخرجة بعض الحبكات الثانوية الداعمة للقصة الأساسية والمبررة للتواصل بين أندريه وماريا، كسرقة مقوٍ جنسي مخصص للأبقار من المسلخ، ومن ثم تحقيق الشرطة بالحادثة مما يدعو لإجراء فحص نفسي للعاملين به، ليروي كل من أندريه وماريا الحلم نفسه الذي رآه كل منهما في الليلة السابقة للطبيب، تظن الأخيرة أنهما يكذبان عليها، إلا أنهما يكتشفان بعد صدفة  تطابق الحلم وسيلة ودافعاً للتواصل بينهما.

إلديكو إنيدي وضعت أبطالها في أغرب مكان من الممكن أن يشهد قصة حب، مكان بارد وموحش، مكان اختصرت به بشكل غير مباشر العالم الخارجي الذي انعزل عنه البطلان، جسدياً وروحياً كعنوان  الفيلم. حمل المسلخ بقسوته اختزالًا وتكثيفًا لعالم اليوم، ليوميات البشر وعلاقاتهم، لعالم فقد فيه بطلاها القدرة الجسدية مجسدةً بأندريه والقدرة اللغوية مجسدة بماريا.

وبالتوازي مع الواقع عرضت إنيدي عالمًا مناقضًا له، وهو الحلم الذي عكس حياة أخرى بعيدة عن الواقع، حياة بالإمكان وصفها بالسحرية.

الفيلم قائم على التناقضات بين بقايا الروح التي تظهر في أعين الحيوانات المذبوحة والروح الحرة المتكونة في جسد الغزالين في الحلم. الحاجة للحب في أفعال وحركات وكلمات البطلين وغموض العواطف وصعوبة تبادلها. المسلخ والغابة. الحاجة للفعل وعدم قدرة الجسد والعقل على القيام به. الوعي الذي لا يسمح للبطلين بالتواصل واللاوعي الذي جعل كل منها غزالًا. والتناقض الأكثر حساسية تناقض الجسد والروح، رغبة الروحين في الفيلم وحاجز الجسد.

في الغابة والحلم جعلت المخرجة من بطليها غزالين، ومشاهد الغابة ليست تصويراً لحيوانات كما في مشاهد الأفلام الوثائقية، بل كانت الصورة الصامتة والهادئة أقرب لصورة شاعرية عالية الحساسية والدقة مراعية لكل تفصيل، إضافة لوجود الغزال ورمزيته الدالة على الرقة والحنان وجمال التوازن، عدا عن دلالاته الميثولوجية كحامٍ للطبيعة، فيما الأيلة كانت رمزًا مقدسًا في بعض العقائد القديمة حيث ترسل من عالم السحر لإعادة الانسان من الحياة المادية للغابة والطبيعة، وقد تتحول الأيلة الى امرأة في بعض القصص لحماية الحيوانات الصغيرة من الصيد، كما ارتبط الغزال في الميثولوجية اليونانية بالآلهة أرتيميس- آلهة الصيد.

للغزال رمزية روحية وسحرية كبيرة، يعيش في أحلام بطلي الفيلم اللذين يتشاركان الحلم ذاته مرارًا، هذه الفانتازيا التي صبغت الفيلم لتكسر قواعد الواقع وتخلق من شخصيات غير مكتملة الملامح تمامًا مغيبة خلفياتها ومستقبلها، وخلقت منها ومن اجتماعها قصة حب غير اعتيادية قادرة على جذب المتابع لها وجعله يتعلق بالبطلين وبانفعالاتهما، ليصل للذروة مع شخصية ماريا، الذروة التي تجسد في مشهد إقدامها على الانتحار.

ماريا التي أدت دورها الممثلة ألكساندرا بوربي كرّست ملامحها وجسدها وأبسط حركاتها للشخصية فيما راعت كاميرا إلديكو إنيدي بدقة كل التفاصيل، من المشية الثابتة المتصلبة، لحركات اليدين المتوترة، وحتى طرف العين المصور بحرفية عالية. حساسية التصوير ودقته بالإضافة إلى حركات ماريا التي استطاعت أن تعبر عنها عوضاً عن الكلام المقتضب والمكثف، كوّنا لدى المتفرج دراية بمكنونات الشخصية الداخلية بالرغم من الجهل المطلق بمن تكون ماريا، وجعلت المتابع يترقب أفعالها ويبرر إقدامها على الانتحار بشكل درامي عالي، حيث تجلب أسطوانة موسيقية نصحتها بها عاملة في متجر للموسيقا واصفة إياها بأنها “أغنية حزينة عن الحب”. كل التبريرات لفعل ماريا التراجيدي تتوضح على الشاشة، إلا ان انفعالاتها الثابتة والجامدة حتى في حدث كهذا أوصلت المشهد لذروة القسوة رغم أن الفيلم من بداياته يستعرض ذبحاً للأبقار ومعاملة بالغة القسوة في المسلخ، إلا أن حزنها وطريقة رفضها كانا الأقسى.

وكان لدور أندريه الذي لعبه الممثل غيرزا مورتشني مكان بالغ الحساسية في الفيلم، بوجهه الشاحب وحياته النمطية. استطاعت كل من الشخصيتين أن تثبتا موضوعة الوحدة والاغتراب وسط الازدحام بحياتهما الرتيبة وتشاركهما وجبة واحدة في استراحة العمل وهي وجبة خالية من اللحوم على النقيض من باق العمال.

كل لحظة في الفيلم كان لها أهميتها الخاصة، لحظات الصمت الطويلة التي جسدت خلوة البطلين ولحظات اللقاء المعدودة المصحوبة بالقليل من الكلام، كل تفصيل حاول أن يكثف الشعور ليترقب المتابع لحظة غفوة البطلين وانتقالهما للحلم، أو موعد لقائهما في حلم موحد ومقدس بعيداً عن العالم في غابة باردة يقتاتان على البراعم التي نبتت تحت الثلج ويشربان من الينبوع لتتلامس أطراف أنفيهما برقة عذبة.

برفقة بضع كلمات وبضع نظرات والقليل من اللمسات وحلم واسع وكبير، استطاع الفيلم أن يقدم قصة عن الحب تحمل ثقل وتناقضات الحياة والإنسان، وبشكل خاص ثقل المفارقة بين الروح والجسد، هذه المفارقة التي استطاعت المخرجة أن تعبر عنها بعد ثمانية عشر عاماً من الانقطاع عن السينما، وبرعت في إيصالها لقلوب وعقول القائمين على مهرجان برلين ليفوز ولأول مرة منذ مدة طويلة فيلم غير مؤدلج ولا يعبر عن قضايا معاصرة، مما يؤشر على الحاجة الملحة للبساطة والعودة لموضوعات الحياة الإنسانية للحب وللحاجة والتوق له ولقسوة الواقع الشخصي والاجتماعي.

نبذة عن الكاتب

دانة كريدي

صحفية سورية

Loading Facebook Comments ...