التلفاز الذي التهمنا: هل الأنثى لاحقة للذكر؟

ولدتُ في حي شعبي من أحياء مدينة حلب، بناه أهله على عجل وبطريقة عشوائية، نتيجة الحاجة الملحة للسكن بالنسبة لمن أتوا من الأرياف كعمال أو متطوعين لبناء مطار النيرب العسكري، والذي استُخدم لاحقاً لقصف منازل أولئك الذين قاموا ببنائه.

هذا الحي كان مهدداً منذ ولادتي بالهدم وإعادة الإعمار، لأنه عشوائي وقريب من مطار حلب الدولي، وقد يسبب شكله العمراني أزمة نفسية للوفود الرسمية الدولية التي تزور حلب، ما كان يترافق بتهديدات “الدولة” للحي بتحويله إلى أبنية عالية وغرف صغيرة، وذلك من خلال إعلانات تلفزيونية، يظهر في أحدها امرأة ورجل وطفل يبتسم للكاميرا، لا يشبهنا نحن أطفال الحي، وسيارة زرقاء مصممة على برنامج ” AutoCAD لا تتسع لربع أفراد عائلة من عوائل هذا الحي.

كان التلفاز وقتها نافذتنا الوحيدة إلى ذاك العالم، حيث كان عالمنا هو الحي فقط، وما بعد دوار الحي كانت نهاية العالم، حيث بيت الشمس الذي تذهب إليه ببطء على امتداد النهار، وعندما ننام تتنكر بهيئة القمر وتعود للشروق من الكروم الخلفية للحي – نهاية العالم من الجهة الثانية.

كنا نشاهد هذه العالم الآخر عبر شاشة تلفازنا بني اللون كثير الأعطال، كنت انتظر مصلّح التلفزيونات أمام محله أثناء فترة غدائه لأسأله متى أستطيع مشاهدة الأعمال الدرامية، كنت أظن أن أبطال الاعمال الدرامية، ينتظروننا حتى يتم تصليح التلفاز، ومن ثم يستأنفون أحداث المسلسل ودائماً ما كان يخيب ظني بشخصيات الأعمال الدرامية. كم أحسد نفسي اليوم على نعمة اليوتيوب!

التلفاز وما يبثه من برامج وأعمال دراميّة، حوّلنا بحسب توصيف الكاتب المصري عبد الوهاب المسيري إلى “شيء” كالروبوت، ونزع منا الصورة الإنسانية عندما تحولنا إلى مشاهدين تقدم لنا وجبات الحياة كما يراها كاتب ومخرج العمل. على سبيل المثال: الأب عندما يكبر يظلمه أولاده، والأم التي تطلب الطلاق هي غير صالحة، وزوج الأم دائماً ما يكون ظالماً، وعلاقات الحب محرمة وتبدأ بغمزات بين المحبين وتنتهي بقتل الأخ لأخته!

هذه القوالب المقدمة لنا عن طريق الأعمال الدرامية، دفعتنا كأطفال لنتقاسم الأدوار على أنفسنا، فكل طفل يجب أن يكون ثمة فتاة يحبها وحتى إن لم يحب، وبحسب تقاسم الأدوار ستكون تلك الفتاة من حصته. كانت حصتي فتاة من بين فتيات الحي، ومن تلك القسمة بدأت أسال نفسي عن مدى واقعية الأعمال الدرامية السورية المقدمة لنا عن طريق التلفاز، والفتاة التي كانت من قسمتي لم أحبها ولم أغمز لها كما يحدث في الأعمال الدرامية، ولم أواعدها أيضاً، لكن بحسب القسمة وتصديق الأطفال للأدوار الموزعة لهم، بتُّ أشعرُ بالغربة في هذا الحي، وأحاولُ أن أكتشف هذا العالم بعيداً عن التلفاز وعالمنا الصغير، أحاولُ السير بعيداً عن الحي. كنتُ كل يوم أذهبُ خارج الحي، تجاوزتُ دوار الحي الذي كنا نظن أن بيت الشمس بعده، تابعتُ السير حتى وصلتُ حي الشعار (حي من أحياء حلب الشرقية)، وفي أيام أخرى اكتشفت القلعة (قلعة حلب) ولأول مرة شاهدتُ شيئاً حقيقياً يقدمه لنا التلفاز.

 تتصارع في رأسي أسئلة كثيرة حول صحة تقاسم الأدوار، ولماذا يجب علينا تصديقها. لم تعجبني لعبة تقاسم الأدوار بين الذكور والإناث، التي صدقها البعض وبل تزوجوا على أساسها.

بهدف البحث عن الحقيقة، وقعت عيني على كتاب طوق الحمامة لابن حزم الاندلسي، الذي يشرح نوعاً ما عن تلك القسمة، قرأته دون أن أشتريه، من حبل كحبل الغسيل كان منشوراً عليه في حي باب النصر ولم أفهم منه شيئاً. محتوى الكتاب لا يناقش ما يدور في ذهني حول صحة ومضمون تقاسم الأدوار على الذكر والأنثى.

 كنتُ في الصف التاسع عندما وقعت عيني على فتاة أخرى من الحي المجاور، وجدتُ بيني وبينها رابطاً مشتركاً، ألا وهو التمرد على قسمة المجتمع، عندما قالت لمدرس اللغة العربية: كل مفاهيم الحياة تشترى بالمال، والمرأة التي معها مال تستطيع شراء حقوقها من المجتمع، وأنهت كلامها ممازحة المدرس: “رح يجي اليوم إللىي ناخد فيه حقوقنا بدون مصاري”.

 كنت في الصف التاسع حينها، وخوفاً من المجتمع أسميتها أخت عمار، وبتُّ أكتبُ الشعر عنها، كنت أظن العلاقة بين أي ذكر وأي أنثى قائمة على ثنائية الحب والزواج وأن تكون الأنثى لاحقة للذكر، لم أخبرها بإعجابي بها، كنت أخشى من القسمة وعقابها، شبهتها سراً بالممثلة السورية سلاف فواخرجي. انتهى العام الدراسي ولم أستطع رؤيتها مرة أخرى، وجدت في أخت عمار ما يشاركني تمردي على هذا المجتمع وقسمته.

وبسبب عدم رؤيتي لها بت أنتظر أي عمل درامي من أبطاله سلاف فواخرجي، لأستذكرها وأشعر أنني لست وحيداً وسط رجال القسمة.

بمقارنته بالمجتمعات الأخرى، تبينَ لي لاحقاً أن المجتمع الذي حقدتُ عليه في البداية، ليس إلا حلقة من حلقات هذه المجتمعات، التي بت أتعرف عليها بعد خروجي من الحي، التي حولتنا إلى أشياء لا بشر.

تزوجَت أخت عمار قبل أن يأتي اليوم الذي تتنزع فيه حقوقها دون شراء ذمم من يستعبدونها، تزوجت قبل أن تبلغ الثامنة عشرة، وعدتُ وحيداً مع تمردي. اكتشفتُ أنها تزوجت عندما لاحظت أن شتلة الياسمين ذبلت على شرفة منزل أهلها.

تبينَ لي أن كل شيء في هذه الحياة كذب وخداع، وأننا محكومون من شيء لا نراه، هو من يتحكم فينا ويرسم لنا القرارات، قرارات عشوائية كما الشكل العمراني لمنازلنا. أخت عمار لم تستطع الصمود أمام هذا الخداع.

كنتُ أجدُ بعض الصراحة فقط في روايات قرأتها، ربما كان كُتّابها مثلي قد عاشوا حياةً مفاهيمها غامضة، وأحبوا أن يكتبوا عن شيء جميل يتخيلونه. كنت كثيراً ما أكتب، وكثيراً ما أرمي ما كتبته، فكيف لطالب غير مجتهد في المدرسة مثلي أن يكتب. أيضاً كنت أرى أن المدرسة والنظام التعليمي يعززان ثقافة القسمة، حيث أن كل فتاة غير مجتهدة في المدرسة، يطلق المدرس أو المدرسة بحقها حكماً يقضي أن تجلس في المنزل، وتنتظر من رجل أن ينقلها من سجن أهلها إلى سجن زوجها، كنت أرى في المدرسة سجناً لا منبراً للتعليم، فالتعليم الذي لم يكن الحب أساسه ليس تعليماً، كنا نتعلم في مدارس مبنية بسور عالي جداً، ومعلمين عبوسين والعصا لا تبرح يدهم. كنت دائماً أدعو أن تقصف إسرائيل مدرستنا وأرتاح، تحققت أمنيتي، ولكن من قصفها هو من كنا نمجده صباح مساء، والقذيفة من مطار النيرب العسكري سقطت في شعبة أخت عمار.

كبرتُ، ولا زالت أسئلة لم أجد الإجابة عنها في رأسي. اندلعت الثورة عام 2011، كان عمري حينها 18 عاماً، ووجدت فيها مساحة آمنة لتمردي، ولأن أستطيع النظر في وجه القسمة وأقول لا دون خوف.

وجدت ضالتي حول جميع الأشياء مع الثورة، وتغيرت وازدادت المساحة التي أبحث فيها. لم يعد اسمي عيسى، وحالت المعارك التي اخترت أن أكون مصوراً مع فصائل من “الجيش الحر” فيها بيني وبين قلعة حلب ودار الكتب الوطنية والجامعة. لم أعد أعرفا شيئاً عن أخت عمار، ولم تعد سلاف فواخرجي كما كانت جميلة أشبهها بأخت عمار، بل تحولت في ذهني إلى رجل أمن يقمع المظاهرات، وإلى طيار يقصفنا.

بدايةً ظننت أن الثورة ستعزز تلك القسمة، كانت مطالبها سياسية فقط، ولم يرفع أحد شعار يطالب فيه بإسقاط القسمة ليختار كل منا طريقه، لكن مع ازدياد نقاط التظاهر انتصرت ثوراتٌ ضمن سلم الثورات في المجتمع السوري، ومن ضمنها الثورة على تلك القسمة والزواج القسري، وإن كان بشكل نسبي، إذ بتُّ أسمع فتيات يقلن لا، وذكوراً يقولون للزواج لا، وفتيات يخترن اختصاصهن الدراسي بعيداً عن فرض المجتمع، وشباب يختارون اختصاصهم بعيداً عن سلطة المجتمع.

بالرغم من القصف العشوائي الذي كان يتعرض له الحي، أسعدني خبر طلاق إحدى بنات الحي من زوجها، الذي كان من قسمتها أثناء توزيع الأدوار، لتختار حياتها وقسمتها بملء إرادتها. ومن الأمور التي كانت تعزي أحلامي بعد كل مجزرة، إرسالُ إحدى بنات الحي طلب صداقة على فيسبوك لي، كانت تنشر منشورات فيها اقتباسات عن روايات عالمية، بل وتنشر صورتها الشخصية بعدما كان نشر الصور من محرمات المجتمع. لم يعد عمل فتاة في جمعية أو في عيادة مرتبطاً بفقر واضطرار بعض الأهالي لتبرير عمل بناتهم حتى تزول الضائقة المادية التي يمرون بها ومن ثم تعود لتجلس ابنتهم في المنزل. الكل تقريباً تحرر من سجن التلفاز وأعماله الدرامية، وإذا كان الحي قد تم تدميره، فإن ما أحدثته الثورة عمّرَ في قلوب الناجين من قاطني الحي أكثر بكثير مما دمره الأسد.

ما أحدثته الثورة جعل كثيرين من حيي أو المحافظات الأخرى يثورون على أنفسهم، وعلى كل ماضيهم المتعب والمقولب. معركتنا ضد كل شيء كانت متعبة، نحارب على أكثر من جبهة، اجتماعية وداخلية وخارجية ودولية ودينية وفكرية وقومية وعنصرية.

ذات مظاهرة في نزلة أدونيس في مدينة حلب في نيسان 2012 تراشقنا مع عناصر الأمن بالحجارة وقطعنا الطريق أمام سياراتهم، ليرمي أحد عناصر الأمن نحونا قنبلة مسيلة للدموع، لأركض نحو شاب يحمل بيده مياه غازية “سيفن أب” لأغسل عيوني من أثر الغاز ولكن قبل أن تأخذ القنبلة مفعولها، ركضت فتاة تجاه القنبلة والتقطتها بكم معطفها ووضعتها في حقيبتها، ليدور في ذهني سؤال آخر: هل الأنثى لاحقة للذكر أم العكس، أم كل واحد منهم مستقل عن الأخر؟؟، في هذا المشهد كان جمعٌ من الذكور لاحقاً لهذه الطالبة.

أشهر قليلة وأنهي ربع قرن من العمر، ويصبح عمري 25 عام، في مجتمعنا ومجتمع الحي الذي ولدتُ فيه، تُتهم بالمثلية الجنسية أو بالضعف الجنسي أو بعلاقة محرمة إن بلغت الخامسة والعشرين من العمر ولم تتزوج، وينظرون إليَّ نظرات ريبة وأصبحُ حديثاً لطيفاً في سهرة حول المدفأة أثناء شرب الشاي، الحي نفسه الذي بت أشتاق إليه، ويسكن داخلي، وعلقتُ صور شوارعه المهدمة في منزلي الجديد في مدينة الباب، بعدما بسط النظام السوري سيطرته عليه أواخر عام 2016.

رغم أني عدت، لكن هذه المرة بإرادتي، إلى التلفاز ومشاهدة الأعمال الدرامية، لكني لا أحب العودة إلى ذلك المربع الأول، مربع الزواج القسري والمبكر وزواج الأقارب وتقاسم الأدوار.

فكيف لي بعد توثيق المعارك والبراميل المتفجرة والتهجير أن أعود إلى مربع خرجنا منه منذ عام 2011، وكلف المجتمع السوري الكثير. أجزمُ اليوم أنه مع سقوط حكم الأسد، ستُحلُّ الكثير من مشاكل الشعب السوري، ولكن ليس كلها.

رُبَّ ضارة نافعة في طريق الكتابة وترويض السلوك الثوري

في حزيران من عام 2017 تم تكريم أحد النصوص التي كتبتها من قبل بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان ومؤسسة سمير قصير، عن نص بعنوان “متى تريدون قتلي؟” الذي نشره موقع الجمهورية في تموز عام 2016.

أخذت تنشر منشورات تتهمني بما لا ليس فيَّ، اتُهِمتُ بأنني محرضٌ على الاغتصاب، بالاستناد إلى صورة نُشِرَت لتعليقٍ لي على منشور كتبه أحد أصدقائي، يشتم فيه فتاةً رفعت علم النظام في جامعة غازي عينتاب، وهو كان قد نشره ثم حذفه واعتذر عن عدم استطاعته ضبط غضبه عندما شاهد فتاة تحمل العلم الذي احتكره النظام السوري له في مدينة تركية تقطنها عوائل شهداء الثورة السورية.

 بدايةً، لم أشأ الرد على هذه الاتهامات المبنية على صورة نُشرت لتعليق فيسبوكي لي، لأنني لم أستطع تمييز بين من ينتقدني لخطأي، ولهم مني كل الحب لتوجيهي حول بعض المصطلحات التي كانت من صنف الكلام المتداول للأسف في حياتي، والذين لولاهم لما توضحت لي كثيرٌ من الأمور، وبين من أخذ يشتمني لأنني شتمت، ويشتم مدينتي والمجتمع الذي انحدر منه، “الشوايا”. حينها لم أستطع التمييز بين من يتهجم عليَّ بالشتيمة وبين من ينتقدني، ولذلك قررتُ حينها ألا أرد، وأن أترك الأمور تسير حتى أستطيع التمييز. اعتذرتُ عن تعليقي إياه في عدة مواقع إخبارية طلبت مني التعليق على الاتهامات، وكثيراً ما ذكرتُ أني لستُ أنا من تم تكريمه، بل الإعلام الثوري والنص، وصديقي فيصل كسمو، بطل النص الذي تم قتله، بعيداً عن شخصي.

هذا بالنسبة لمن كانوا لا يعرفونني، أما الذين يعرفونني من خلال القصص والنصوص التي أنشرها، فقد دافع بعضهم عني، وبعضهم الآخر هاجمني عبر وضعي في خانة المحارب للعمل النسائي، وأنا لستُ كذلك. هذا الشيء آذاني مثلما آذتني اتهامات الآخرين الذين لا يعرفونني.

أعتذرُ من الكتابة

لا يمكن أن يكون الاغتصاب عقاباً لأي امرأةٍ على أي فعلٍ تقوم به أياً كان، ولم يحدث أن اعتقدتُ بشيءٍ كهذا في حياتي.

 لقد ثرتُ على النظام الأسدي وتركت دراستي الجامعية من منطلق العصيان المدني وعدم إعطائه شرعية لأنه نظام مجرم، ومن بين جرائم هذا النظام المتمثل بمنظومته الأمنية اغتصاب النساء واستخدامهن لتحطيم خصومه، فكيف لي أن أؤمن بعقيدة إجرامية كهذه.

إنني أعتذر من أولئك الذين عاتبوني واعتذر من شخصيات قصصي ومن نفسي ومن حيي ومن الكتابة الصحفية.

وأعتذر من أخت عمار التي شاركتها سراً التمرد على مجتمع القسمة، اعتذر منهم جميعاً عن شتيمة بالغة السوء، كتبتها بدون أن انتبه. إن شتم المرأة شتيمة تنتهك جسدها، يعني وضعها ثقافياً وخطابياً في موضع أضعف من الذكر ولاحقة له بخلاف تصرف طالبة الجامعة في إحدى المظاهرات التي كنا جمعاً من الشباب لواحق لها، عند إنقاذها لنا من دموع علينا توفيرها لمظاهرات أخرى، لم أكن أقصد هذا، ولم أكن على داريه شاملة أن ما كتبته، كنت أظنه مجرد شتيمة، يمكن أن يعني كل هذا، واليوم بعد ما حصل معي ما حصل من وضعي بخانة المحارب للعمل النسوي ، لكن ما يؤلمني أن ما كنتَ أظنه مجرد شتيمة ناتجة عن الكلام المتداول في المجتمع، ردَّ عليه كثيرون وكثيرات بكلام يهدف إلى معاقبتي وتحطيمي، وبالطبع هذا لن يحصل، وسأواصلُ الكتابة والقراءة والمساهمة في الثورة والكتابة والتصوير عن دور الأنثى في المجتمع وما عانته وما أنجزته،  بالطبع أعتذرُ عن الشتيمة.

أنا ابن ثورة انفجرت في وجه كل المورث الاجتماعي السلبي، وإذا كنتُ قد تعافيتُ من بعضه على مدار سنوات الثورة السبع، فلدي الكثير لاجتهد بالانتصار عليه.

استغربَ البعض من التهم الموجهة ضدي، وكيف تمّ أخذ الكلام وتفسيره، وعاتبني آخرون مطالبين إياي بالاعتذار، ليكون ردي وقتها أنه كيف لي أن أعتذر من شخص أخذ صورة لتعليق كتبته واستخدمها في حربه ضدي، ولماذا لم يخبرني هذا الشخص بخطئي أو ينصحني على الخاص. إذا كان الرابط الإنساني بيني وبين من اتهمني هو الثورة، فمن واجبه الثوري نصحي كما فعل آخرون، وإذا أخذتني العزة بالإثم حتى بعد نصحه لي، فلينشر ما يحلو له على فيسبوك أو غيره.

أصبحت عندي قناعة أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت، بعد أن كانت منبراً لنا في بداية الثورة، إلى سجن حوّلنا إلى أشياء، وجَرَدنا من إنسانيتنا أكثر من التلفاز، فكيف لي مناقشة شخص لا يعرف عمري الحقيقي ولا وضعي الصحي ولا ما إذا كنتُ نائماً أو نعساناً أثناء التحدث معه، أو كنت مكتئباً ولم أستطع النوم لساعة متأخرة من الليل نتيجة القلق. التواصل عبر فيسبوك، رغم الإيجابيات، يجعل التواصل معزولاً عن السياق النفسي للشخص الذي نتواصل معه.

هناك عدم توازن الذي نعيشه تجاه القضايا والمعايير العامة، وربما تفاقم هذا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كيف لشخص يرى من مقتل خمسين مدني بغارة للطيران التحالف على محافظة الرقة فاتورة حرب ينبغي دفعها، ويرى في لايك أو تعليق على فيسبوك قضية كونية حاسمة! ذلك بالتأكيد مع عدم الاستخفاف بالخطأ الذي ارتكبته أنا عبر فيسبوك.

أبتسمُ عندما يسألني أحد الأصدقاء عن التهم الموجهة لي: هل أنت ذكوري وكاره للنساء وعدو للنسويات؟ لا. أنا لست كذلك. ولو كنتُ مثلما يقال لرضيت بتلك القسمة من قبل أطفال الحي لي، لكنني كنتُ منذ صغري أرفضُ أن أتزوج فتاة والدها قررَ عنها، فالزواج التقليدي هو موت سريري بالنسبة لي. من لم يرضَ أن يتزوج مثلما يريد أهله له، كيف له إن يؤمن بالاغتصاب كعقاب!

يقول أحدهم لي: “خيو لبسها وخذها وأعطي أبوها 100 ألف، ترا العيلة بدها السترة للبنت مو أكتر!!”، فأغضبُ وأحياناً أشتمُ من يقول هذه الشتيمة إياها بالمصطلحات نفسها أحياناً، لأنني أغضب من فكرة أن يساوم أب على بنته، ودائماً ما أنهي الحديث بأن الفقر ليس مبرراً للزواج المبكر، ولسوء الحظ أقول: يا عرصا خاف الله!!!!!

كم تمنيت أن يراسلني بعض من هاجموني قبل شتمي أو اتهامي بما لستُ عليه، وخاصة أن بعضهم خريجو جامعات كنتُ أتمنى لو أستطيع الدراسة فيها.

منهم من شتمني لأنني شتمت! أليس هذا غير مفهوم. ولكن لم يحزنني إلا من أخرجني بسبب هذه الشتيمة من الثورة، التي كنت أنتظرها منذ تلك القسمة.

أخشى أنه إذا لم نفهم بعضنا ونحب بعضنا ونسأل بعضنا عندما يخطئ أحدنا، أخشى أن تكبر شاشة التلفاز وتلتهمنا، ونعود سجناء لما يقدمه التلفاز لنا، ونعود أشياء، ونرضى بقسمة المجتمع لنا، ونكون كما يريده التلفاز!

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...