شايغان وخامنئي والعالم

رحل قبل أيامٍ قليلة المُفكر والمُنظر الإيراني الشهير داريوش شايغان، الذي سخّر أكثر من نصف قرن من عُمره في خدمة المعرفة والثقافة، حيث أعتبره مُتابعوه “أبهى” ما انتجته الحضارة الإيرانية في القرون الحديثة.

المقال المقروء:

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

– – – –

كان شايغان إيرانياً مُنحدراً من أب أذري وأمٍ جورجية، وتربى في عائلة تتكلم الفارسية والتُركية والعربية والروسية، مُحاطة بالآشوريين والأرمن والمسيحيين والزردشتيين والكُرد واليهود، فهؤلاء جميعاً كانوا عناصر التنوع في الحضارة الإيرانية التي تلقفها شايغان في سنوات طفولته. تلقى شايغان تعلميه الأولي في مدرسة للرُهبان الفرنسيين، ثم تابع دراسة العلوم الإنسانية السياسية والفلسفية الحديثة في سويسرا وألمانيا وفرنسا، وانتهى به المطاف كمُثقفٍ ومفكرٍ تنويري وموسوعي مُختصٍ بالحضارات الشرقية، خصوصاً الإيرانية والهندية القديمة منها.

واظب شايغان على تدّريس الفلسفات الشرقية في جامعة طهران مُنذ أواسط الستينات، لكنه تحول إلى قُطب في الحياة الثقافية الإيرانية حينما أسس وترأس “المركز الإيراني لدراسة الحضارات”، الذي كان أرحب منصة لتفاعل ملايين الطلبة الإيرانيين المُنتمين للطبقة الوسطى مع أفكار العالم الحديث وتحولاته.

لكن مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تحطمت تطلعات شايغان تماماً على مستويين متكاملين:

أغلقت سُلطات الحُكم الجديد “المركز الإيراني لدراسة الحضارات” الذي كان شايغان قد أسسه. علق شايغان وقتها على قرار الإغلاق بتهكمٍ شديد يكشف طبيعة تفكير الملالي “اعتبروه شيئاً من الكماليات التي لا لزوم لها، فأغلقوه”!!. لم يكن ذلك الإغلاق الذي طال مركز شايغان مادياً فحسب، بل كان الخطوة الأولى لاقتلاع جميع المؤسسات والمركز والوسائل المعرفية والإعلامية والفكرية التي تناهض الفكر القروسطي الذي صار ذوو السُلطة الجُدد يتبنونه. كان إغلاق مركز شايغان ومئات المؤسسات الأخرى مثله، تجريداً لطبقات واسعة من المُجتمع الإيراني من ديناميكيته وطاقته القادرة على التمركز حول العقلنة والتفاعل مع العالم.

من جهة أخرى، فأن الثورة/الانقلاب الذي جرى في إيران وقتئذ، أثبت فكرة شايغان المركزية التي تقول بأنه ليس للتاريخ أية فلسفة في المُجتمعات التي لم تخض تجربة الحداثة ولم تتعرض لصدماتها التقليدية. فبعد الثورة المشروطية/الدستورية التي خاضها الإيرانيون بكُل بسالة في أوائل القرن المنصرم، وبعد عمليات التحديث التي خاضها نظام الشاه رضا بهلوي ومحاولة الدمقرطة التي سعى إليها رئيس الوزراء السابق محمد مصدق، فأن مجموعة من رجال الدين حطموا كُل شيء، وأعادوا إيران إلى القرون الوسطى، عبر حُكم ثيوقراطي مركزي مُحكم، ينبذ أية عقلنة للحياة العامة والخاصة.

كان شايغان في جوهر وعيه وتطلعاته، مثل العديدين غيره من المفكرين النهضويين التنويريين، كان يدافع عن فكرة تقول أن الحضارة الإنسانية في المُحصلة واحدة، وأن جميع محاولات خلق القطيعة والمواجهة فيما بينها غير حقيقية، وهي نتاج استماتة بقايا الحضارات التقليدية في الدفاع عن نفسها في مواجهة الحداثة العقلانية. لكنه أيضاً لم يكُن أدونيسياً، أذا جاز التعبير، فهو لم يكن يسعى لتحطيم فكري راديكالي للعالم القديم، بقدر ما كان يسعى لأن يفهم ذلك العالم ومُجتمعاته، يفهم بُنية عقله وشبكات العلاقات والسُلطة فيما طبقاته، وفوق ذلك يعرض الأسس الطبيعية لأن تتحول هذهِ المُجتمعات وتغدو جزء من الكُل العالمي.

 بذلك بالضبط فأن شايغان كان يوجه سهامه إلى متن ايدلوجية نِظام الملالي، الذي كان، وما يزال، يستميت في خلق حواجز وهمية بين شعبه وباقي العالم. حيث تتمركز أيدولوجيته على عبارتين شعبويتين بالغتي البساطة/السذاجة. تقول الأولى أنه في التاريخ دائماً كان ثمة ال “نحنُ”  التي كانت مُختلفة تماماً عن ال “همُ”، وأن هاتين الثُنائيتان ستبقيان خالدتين حتى في المُستقبل. العبارة الأخرى كانت تقول بأن هذين الحيزين مُتباينين ومُتناقضين، لا يُمكن لهُما أن يندمجا أو يكتملا، أو حتى أن يكون بينُهما أية مساحة مُشتركة ما. فالعالم حسب ايدلوجية نِظام الملالي ليس إلا ملعباً لصراع هاتين الثُنائيتين المُفترضتين، ولو وهماً.

مات شايغان وبقي خامنئي، لكنها ببساطة ليست نهاية التاريخ، وطبعاً ليست حتميته.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...