انتخابات مصرية في عصر الحقيقة الفائقة

بدأت الانتخابات الرئاسية المصرية بالفعل، فمنتصف الشهر الحالي، تقاطر المصوّتون على السفارات المصرية في الخارج للإدلاء بأصواتهم. لا يمكن الجزم بنسب التصويت، فلا يوجد حصر رسمي بأعداد الجاليات المصرية في الخارج بشكل عام. ومع أن ما نقلته وسائل الإعلام من تزاحم على التصويت في بعض الدول، إلا أن أحداً لم يكترث إن كانت تلك المشاهد تمثل حقا الأقبال على التصويت أم لا. ففي القاهرة، غطت لافتات التأييد للسيسي الفضاء البصري بالكامل، بينما كان منافسه متردداً بين إعلان تأييده للسيسي مرة وبين نفي أنه مجرد إمعة مرة أخرى.

قبل أقل من عامين، اختار قاموس أكسفورد مصطلح “مابعد الحقيقة” كمفردة العام، الأكثر تأثيراً، وشيوعاً في حيز الاستخدام العام حينها. جاء اختيار المصطلح الذي عرفه “أكسفورد” كصفة “متعلقة أو دالة على الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في صياغة الرأي العام مقارنة بالاحتكام إلى العواطف والقناعات الشخصية”، مقترناً بذيوع استخدامها على خلفية استفتاء البريكزت البريطاني، والانتخابات الرئاسية الأمريكية. لكن الشهور اللاحقة كانت قد أثبتت هشاشة ذلك الاختيار، فالإدارة الأمريكية، تحت حكم ترامب، ربما هي الأصدق على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة. فالرجل وبخصوص سياساته في الشرق الأوسط، كان قد أعلن أكثر من مرة، وبمنتهى الشفافية، أن الحماية هي لمن يدفع. وبعد عقود من الرياء الأمريكي، وادعاء دور الوسيط في عملية السلام، فإن إعلان ترامب وإدارته عن دعمهم غير المشروط لإسرائيل، وتهديد المندوبة الأمريكية في مجلس الأمن لدول العالم بالعقاب بخصوص قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس، هو الخطاب الأكثر أمانة وصدقاً وإخلاصاً للحقيقة، في أكثر صورها فجاجة.

على الجانب الآخر من المحيط، أضحى الحديث عن القيم الأوروبية موضة غير مستساغة، بقدر ما أصبح خطاب المصالح الضيقة والانتهازي في اتساق مع قومية كراهية الأجانب، هو الأكثر قبولاً. في الصين، يصبح منصب الرئيس مؤبداً، وفي روسيا لا تختلف الأمور كثيراً، يفوز بوتين للمرة الرابعة، دون أن يتوقع أحد غير ذلك. والأمر ليس دخولنا لعصر “مابعد الديمقراطية” كما يحلو لمحبي “المابعديات” أن يطلقوا عليه. فمن واشنطن إلى بكين مروراً بموسكو ودمشق والقاهرة، يبدو كل “تراجع” ديمقراطي مقترناً بتبجح في قول الحقيقة، والتباهي بها. لا يسعى أحد للكذب، أو تسويف المعروف بالضرورة، أو تجميل السياسة بأي صورة، بل العكس، فيمكن الادعاء أن الجميع يبالغ في تكثيف الحقيقة، وتعمد في الإفراط فيها.

اللافتة المرفوعة في أحد شوارع القاهرة، معلنة عن تأييد “المرحوم فلان الفلان” للسيسي ليست من باب النفاق الذي تجاوز نفسه، بل اعترافاً بالحقيقة التي يعرفها الجميع، فليس هناك انتخابات بالأساس. وكل تلك الصور المرفوعة للسيسي، حاجبة الرؤية عن الأفق، ليست محاولة للتأثير على أحد، أو حبكاً لأكذوبة الانتخابات، بل انخراط في طقوس للاعتراف بالنتيجة المعروفة مسبقاً. فبعد أن قام النظام بإلقاء القبض على مرشح محتمل وراء آخر، والضغط علناً على واحد واثنين من السياسيين المجهولين للنزول إلى الانتخابات، فإن كل هذا ليس رغبة في الإيحاء بأن هناك عملية انتخابية حقاً، بل السخرية منها، وإهانة منطق العمليات التصويتية إلى أقصى حد.

كل حديث عن البروباغندا وتزييف الوعي، في عالم اليوم، يبدو وقد تم تجاوزه. الجماهير لا تحب الأكاذيب ولا تعشق من يخدعها، كما كان يقال لنا دائماً. فبعد انهيار النظريات الكبرى، من أول اليوتوبيات الشيوعية وصولاً إلي حكم الشريعة وأنظمة التحرر الوطني، لم يعد هناك مكان للأكاذيب ولا حاجة لها. ولم يعد هناك في لغة السياسة اليوم، ما هو أكثر إلهاماً من الحقيقة الفائقة، والتبجح بها إلى أقصى حد. ببساطة أن نقول إن الإمبريالية إمبريالية، وإن الطائفية طائفية، وإن الديكتاتورية ديكتاتورية.  فاعترافات من هذا القبيل من جهة السلطة، لا تأتي مدفوعة بحب للحقيقة، قدر ما تأتي تأكيداً على قوة مصدرها، وقدرته على الإخضاع، دون الحد الأدنى من الادعاء، أو محاولة تجميل الواقع، والتحايل على قبحه.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...