تحية للمرأة السورية

تحية للمرأة السورية التي اعتادت إخراج ابنها من تحت الركام لتنظف فمه وعيونه من ركام إسمنت التسليح وبقايا البيوت.

 تحية للمرأة السورية التي اعتادت مسح الدماء من وجه فلذات أكبادها و تضميد جراحاتهم.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت إنعاش أولادها من غاز الكلور والسارين وغسلهم بالماء كي ينجوا من الموت ويعود لهم النفس ويعود بؤبؤ العين للاستقرار والنظر نحوها.

تحية للمرأة السورية التي تعلمت أن تجيب على سؤال أطفالها: لماذا يريد العالم موتنا؟

تحية للمرأة السورية التي اعتادت حمل أطفالها والفرار بهم هرباً من أحدث طائرات العالم وأشرسها وأكثرها تجهيزاً بالأسلحة.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت تدريس أولادها في الكهوف والأقبية كي لا يكبروا دون علمٍ بعيداً عن أقرانهم في المقلب الآخر من المدينة أو الدولة.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت أن تطبخ ما يمكن وما لا يمكن طبخه كي تسكت جوع أطفالها.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت إيقاد النار من العدم كي تدفئ أجساد أطفالها الباردة.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت خلق أسرّة من اللاشيء كي ينام أبناؤها ليلتهم على فراش الموت المؤجل.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت أن تخيط أي شيء وبأي أداة كي تكسوا أجساد أطفالها الغضة لتقيهم حر الصيف وبرد الشتاء.

تحية للمرأة السورية التي اختصرت بيتها وأثاثها بحقيبة تحملها على عجل في رحلة النزوح المستمر.

تحية للمرأة السورية التي تصنع الدمى من بقايا القنابل كي يلهوا الأطفال بأدوات موتهم اليومي.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت أن تصبّر أبناءها على الألم والمرض وعالجتهم بدموعها وصوتها بدل مضادات الإلتهاب وعقاقير الكزاز.

تحية للمرأة السورية التي ترى الجمال في وجوه أبنائها التي تسكوها الخيوط الجراحية وتجد الرضا في ابتسامتهم من خلف الغرز والشاش المصبوغ بدمهم النقي.

تحية للمرأة السورية التي حملت مسؤولية هوان الأمم المتحدة والأمم المنفصلة والياسر واليمين والتطرف والاعتدال والعدالة الانتقالية والعدالة الإلهية والمجتمع الدني وكفى للحرب وهزال مجلس الأمن

تحية للمرأة السورية التي تحملت قيح المعارضة والمجالس والائتلاف والتوسعة والتوسعة المضادة وعواصم صنع الفرار وصنع التهجير وصنع المخيمات وصنع المأساة.

تحية للمرأة السورية التي مر على جسدها الغزاة والتتار والأغراب والعجم والعرب والفرس ودفعت أعز ما تملك كي تضمن حياة أطفالها بعيداً عن سكين الذبح.

تحية للمرأة السورية التي تعودت أن تصبح طبيبة كي تساعد جارتها وابنتها واختها في ولادة من العنق لا من الخاصرة.

تحية للمرأة السورية التي اعتادت أن تحمل في بطنها مشروع موت مؤجل لطفل لن يعرف من الدنيا سوى الحرب والفرار والموت والجوع.

تحية للمرأة السورية التي فرت بأطفالها وعبرت بهم البحر والموت وتجار الرقيق وتجار الشرف كي تصل بهم لبرٍ آمن إلى حين.

تحية للمرأة السورية التي تكفن وليدها وتدفنه على عجل كي تعود بسرعة لتفعل ما اعتادت عليه في سبع سنين عجاف أملاً بسبع سمان تمحي عن وجوه أطفالها آثار الغرز والأطراف الاصطناعية وأكفان الأمم المتحدة.

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

Loading Facebook Comments ...