الجسد السوري: جسد اللّذة الضائع

 

وصل المحلل النفسيّ النمساويّ فيلهم رايخ (1897-1957) إلى نيويورك عام 1939 هرباً من النازيّة، قبلها، كان تلميذاً لفرويد، إذ عمل في عيادته، ونشر العديد من الأبحاث حول التحليل النفسي والأمراض العُصابيّة، كما عرف أنه كان يزور الأفراد في منازلهم، ويمارس مهنته من عيادة متنقّلة.

يقارب رايخ التحليل النفسيّ من وجهة نظر ماركسيّة، إذ يرى أن الظروف التاريخيّة والمادية التي يعيشها الأفراد هي سبب الأمراض العصابيّة واضطرابات الشخصيّة، وقد قدم حلاً لهذه الأمراض، ذلك عبر توظيف الطاقة الجنسيّة، ولا نقصد “الليبيدو” الذي طوّر معالمه فرويد، بل مفهوماً آخر من إنجازه وتجاربه المختلفة، وأطلق عليه اسم الأورغون، أو طاقة الحياة، ولتفعيل هذه الطاقة الشافيّة يرى أن على الفرد الوصول إلى الرعشة الجنسيّة الكاملة لعدد كاف من المرات، وذلك يمتلك ما يكفي من الأورغون، لتجاوز المشكلات التي تواجهه.

يرى رايخ أن الكبت الجنسي هو أساس كل مرض، كونه يعيق تدفق الأورغون، ولتجاوز ذلك لابد من استحضار الرعشة الجنسيّة وإطالتها، بوصفها ” القدرة على الاستسلام للدفق البيولوجي للطاقة، والتحرر من أشكال الكبت المختلفة، فهي وسيلة لتفريغ الإحباط والكبت الجنسي عبر فعل لا إرادي ينتفض فيه الجسد لذّة”، والأنظمة السياسية والثقافيّة تساهم بالكبت، كونها تقف بوجه الرعشة، وتؤخر حصولها، عبر خلق ظروف تمنع حصولها واستمرارها.

الفاشي المحبط جنسياً

بالطبع لا تقف أفكار رايخ عند التحليل النفسي والمحاولات النظريّة، فكتبه التي اشتهرت أثناء ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، تتناول الفاشيّة التي تسببت بمغادرته لبلاده، ففي كتابه (سايكولوجيا الجماهير الفاشيّة- 1933)، يحلل أنظمة الهيمنة النازيّة وعلاقاتها مع الطاقة الجنسيّة، ويقترح طرقاً لتوظيف هذه الطاقة للوقوف بوجه الإحباط الجنسيّ الذي يغذي النزعة الوطنيّة العنصريّة، وكأن ضعف الانتصاب، أو ضياع السبيل إلى البظر، تعادله نزعة للقتل، كون السلطة ذاتها تساهم في خلق شروط حياة مضادة اللذة، بحيث تتعمد إيقاف تدفق الطاقة الجنسيّة، وتتبنى ممارسات ممنهجة للخصاء والختان، إذ لا مجال للعب خارج رقابة السلطة أو التخريب أو التجريب، ما يجعل الفرد يبحث عن سبل أخرى لبناء علاقة مع لحم الآخر، لتذوقه، وتحسسه، والإيلاج فيه. هذه السبل البديّلة تتضح بممارسات النازيّة والفاشيّة، وتتجلى لدى المؤمنين بهذه الايدولوجيا، فهم محرومون من الأورغون ومن لذة الرعشة اللامتناهيّة.

الآلة ضد الآلة

كانت الآلة في تلك الحقبة من الحداثة تمثل خلاص البشريّة، ووسيلة لتحرير الفرد، لكن توظيفها  يختلف بحسب السلطة السياسيّة، ومفهومها عن “الحياة” والخلاص البشريّ، فالنازيون بنو المحارق كمؤسسات بيروقراطية- آلية متخصصة بإفناء الحياة، ووظفوا الماكينة لتطهير “الجسد الألمانيّ” من “العلقات”، وفي الوقت ذاته، قام الألمان المعادون للنازية بشيء مشابه، كرايخ مثلاً، فبعد وصوله لأمريكا، وإثر تطوير نظرية الأورغون، قام باختراع آلة تسمى “جامع طاقة الأورغون” وهي غرفة خشبية تشابه تلك التي تحوي الهواتف العموميّة، جدرانها الداخليّة مدعّمة بقضبان معدنيّة وفولاذية، وذات فتحة يطلّ منها من في الداخل. نظرياً هذه الآلة تزيد من قدرة الأفراد على الوصول للنشوة، فهي تجمع الطاقة الأورغون الكونيّة وتكثفها  في جسد الفرد، كي يرتعش، و يشفى من أمراضه.

استخدام الآلة السابقة بسيط، إذ يتعرى الفرد، ويدخل إلى الحجرة، ويجلس على كرسي خشبيّ، لتقوم الآلة بجمع الطاقة وبثها فيه، وبالإضافة إلى النشوة، هذه الطاقة تشفي الفرد من السرطان بوصفه تدفق غير طبيعيّ. الآلة ليست سهلة الاستخدام، ففي دليل منشور في نهاية التسعينات، نقرأ عن آلية بنائها بصورة معاصرة، وشروط استخدامها، والنتائج المرجوّة منها، وذلك لامتصاص الطاقة بأكثر قدر ممكن.

جسد اللّذة السوري

ماذا لو حاولنا تطبيق أفكار رايخ في سوريا أو على الجسد السوريّ بشكل خاص، فنحن أمام نظام  يمارس ذات التقنيات النازية في الهيمنة والتطهير العرقي، ومحاولة بناء هكذا آلات ولو ضمن عمل فنيّ أو احتجاج سياسيّ، يضيء على جانب مهمُش من الجسد السوري الذي يتنقل بين مساحات القتل الممنهج أو جغرافيات اللجوء، وخصوصاً أن هذه الآلات تتيح للجسد السوري اكتساب وضعيات مغايرة لتلك التي يظهر فيها على الشاشة وفي الجغرافيات المختلفة، وبعيداً عن جسد الضحية بمختلف تنويعاتها، وخارج سياسات النمذجة والتطبيع، سواء في سوريا أو خارجها. فآلات اللّذة تتيح لنا فهم أنظمة الهيمنة الذي يخضع لها هذا الجسد، وتحليله في ظل شروط جديدة، تكسبه بعداً ثقافياً مغايراً لذلك السياسي، وتفكيك استراتيجيات السلطة التي يخضع لها، وتتجلى في سوائله ولحمه وعلاقته مع فتحات جسده وجسد الآخر، كون هذه المقاربة لا تتعامل مع الأفراد ككائنات سياسيّة، بل كموضوعات جسديّة تخضع لسياسات النمذجة الحيويّة.

اللّذة كعلاج للآخر العدوانيّ

من جانب آخر، ماذا لو حاولنا بناء آلات بمختلف الأحجام تساعد القتلة والمتعاطفين معهم للوصول إلى الرعشة الجنسيّة بصورة كافية، فرايخ يرى أن ضعف الانتصاب وقلة الإثارة البظرية وليدة ظروف ماديّة تزرع الكراهيّة وتفعل السياسات العدوانيّة، وفي سوريا الأسد، ينعكس هذا في الممارسات الجنسيّة ضد المعتقلين، والتي يمكن تفسيرها على أنها “نقص باللّذة” أو “فشل بالوصول للرعشة الجنسيّة”، فالاغتصاب الممنهج والخصاء كلها معادلات عن خلل في التكوين النفسيّ للقتلة، نتيجة شروط سياسية تحولت فيها أجسادهم من انعكاس للحياة بأشكالها المختلفة، إلى آلات للموت.

آلات اللذة هذه قد تكون محاولة رمزيّة وتحد ولو بسيط للعمليات الممنهجة لاختراق الجسد السوري بالرصاص والهاون والأسلحة الكيماويّة والتشتيت الجغرافي، كونها آلات تكتشف الحياة وطاقتها، بعكس تلك التي تمارس الموت في سوريا، فهذه الغرف الخشبيّة –إن أوجدت- تحول الجسد السوري من كيان وحدته العضوية مهددة إلى جسد يتماهى مع طاقة النشوة الجنسيّة.

سذاجة هذه المقاربة مرتبطة بالشلل العام إثر ما تشهده سوريا، إلى جانب انتقاد المحاولات “العلميّة” لفهم ما يحدث في سوريا والتي تهمّش هذه الجوانب، وخصوصاً أن سوريا لم تتجاوز الإرث ما بعد الكولونياليّ، فالتكنولوجيا لم تتغلغل عضوياً في جسد الفرد، إذ لا يوجد سايبورغ سوري، لكن يوجد محرقة للمعتقلين. لكن تكمن أهميتها أنها تحاكم أشكال السيادة و”الحقيقة” التي ترسخها.

****

ملاحظة: كان لأفكار رايخ الكثير من التأثير على مفكري مدرسة فرانكفورت، كما تحول إلى أحد عرّابي الثورة الجنسيّة في العالم، لكن، هذا لم يعجب الـ FBI ومؤسسات الصحة العامة في الولايات المتحدة، وفي منتصف الخمسينات، تم إحراق كتبه، وتدمير الآلات التي صممها، ليسجن بعدها بتهمة الترويج للعلوم الزائفة إلى جانب التشكيك بقدراته العقليّة واتهامه بالهلوسة. وحالياً هذه الآلات ليست إلا خدعاً تسويقيّة قد تنطلي على البسطاء.

نبذة عن الكاتب

عمار المأمون

صحفي سوري مهتم بالشأن الثقافي في المنقطة العربيّة

Loading Facebook Comments ...