عفرين .. بلاد سمعان والزيتون

عفرين، القريبة من الحدود السورية-التركية، جارة حلب وإحدى أكبر المناطق السورية، حيث تمتد قراها ومدنها على 2% من مساحة سوريا.

سبب الاهتمام بها:

لشهور عدة كانت عفرين محور التدخل التركي المباشر في سوريا بذريعة مواجهة حزب الاتحاد الكردي الديمقراطي PYD المتمركز في المدينة، حيث دارت في عفرين خلال شهري شباط وآذار 2018 معارك حاسمة قامت بشنّها قوات سورية مدعومة من تركيا على المدينة بكامل أهاليها متضمناً قوات  PYD، نتج على هامشها العديد من الانتهاكات بحق المدنيين من الكورد بين قتل وقصف وتهجير وسرقات للبيوت التي خرج الأهالي منها.

تعددت الأسباب الرئيسية لهذه المعارك، فبالنسبة لقوات المعارضة السورية المدعومة من تركيا، تُعتبر عفرين ذات أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي الواقع بين عدة نقاط تحت سيطرة هذه القوات، بينما تعتمد تركيا في دعمها بشكل كبير لهذا الهجوم على ذريعة تسهيل إقامة المنطقة الآمنة في الشمال السوري، دون التطرق بشكل واضح لأهداف النظام التركي بمنع تشكيل منطقة حكم كردية على حدودها.

بعيداً عن هامش هذه المعارك، يستعرض سوريالي أهم النقاط والمعالم المتعلقة بتاريخ وثقافة عفرين.

التسمية:

اختلف الباحثون حول تسمية مدينة عفرين، فمنهم من قال أنها تعني “المياه الحمراء” باللغة الكردية، ومنهم من قال أن كلمة عفرين تعني المياه في اللغات الآرامية القديمة، أو هي مجرى المياه، ومنهم من قال أن تسمية عفرين مشتقة من كلمة “عفرو” وهي كلمة آرامية تعني الأرض الخصبة

طبيعة المدينة:

نهر عفرين:

طوله 139 كلم وينبع من جبال طوروس،سبب خصوبة الأراضي والسهول المحيطة، ويعّد مقصداً لجميع أبناء المنطقة بهدف التنزه في المطاعم والمقاهي السياحية على ضفافه.

بحيرة ميدانكي:

بحيرة اصطناعية تم إنشائها قبل حوالي 17 سنة على الضفاف الشمال الشرقي لنهر عفرين بالقرب من قرية “ميدانكي”، وتعد مقصداً سياحياً بسبب طبيعة المكان ومناخه، خاصةً في فصلي الربيع والصيف، بفضل البحيرة وفضل شلالات “ميدانكي” التي غمرتها مياه البحيرة.

 

معالم المدينة:

على الرغم من أن مدينة عفرين تعد من المدن الحديثة نسبياً بين المدن السورية، إلا أن تاريخ هذه المنطقة حافل وقديم جداً، حتى أنه يشاع بين العامة مثل شعبي يقول: “إنما حفرت في عفرين تجد الأثار”، فقد مر فيها في العصر الروماني واحد من الطرق المعبدة القليلة التي كانت تربط بين آسيا وأوروبا في ذاك الزمن، ومن أهم المعالم الأثرية في المنطقة:

منطقة جبل سمعان:

اكتسبت مكانة دينية مرموقة عبر التاريخ بسبب وجود كنيسة وجبل سمعان، التي تمت تسميتها نسبتاً للقديس “سمعان العمودي”، الذي عاش معظم سنين حياته متنسكاً في تلك المنطقة، إلى أن حولها البيزنطيون من كنيسة إلى قلعة حصينة، من خلال بناء سوراً قوياُ مدعماً حولها يضم 27 برجاً.

مصيف كفر جنة:

تقع بالقرب من شبكة الطرقات العامة التي تصل للحدود التركية. مناخها وطبيعتها جعل منها مقصداً سياحياً نشيطاً خاصةً في فصلي الربيع والصيف، خاصةَ يوجود نبع “كفر جنة” بالقرب من القرية

قرية “النبي هوري”:  

سبب التسمية يعود إلى وجود دير قديم في المنطقة يقال أن أحد الرجال الصالحين ويدعى “حوري”، أقام فيه ومع الزمن باتت تدعى “هوري”.

واكتسبت المنطقة أهميتها لكثرة الآثار الموجودة في المنطقة، والتي تعود إلى عصور تاريخية قديمة، كما أن اعتدال مناخها وجمال طبيعتها كانت عوامل مساعدة لتشجييع السيّاح لزيارتها.

الحياة الاجتماعية:

أغلب سكان منطقة عفرين هم من الكورد ويتحدثون اللهجة الكرمنجية، وتعد منطقة عفرين من أهم المناطق السياحية في سوريا، لدرجة أنهم يقولون أن أهل عفرين لا يحتاجون للسياحة فهم يعيشون السياحة بشكل يومي في حياتهم الطبيعية. بالإضافة للسياحة فإن الزراعة حاضرة وبقوة في المنطقة من خلال زراعة الزيتون والأشجار المثمرة، مما ساعد في انتشار صناعة الزيت والصابون بالإضافة إلى العديد من معاصر الزيتون ومعامل النبيذ.

تتمتع المنطقة بخاصية اجتماعية مختلفة عن بقية المناطق السورية، فالحالة الاجتماعية في المدينة وطيدة جداً بين سكان المدينة، كما أن الموروث الشعبي والعادات والتقاليد لها مساحة كبيرة في حياتهم، حتى الألعاب التي تُمارس في تلك المنطقة فيها خصوصية لا تشاهدها في مناطق أخرى، كلعبة “كيسن جوري” أو لعبة”الشكالي” والتي تعني “الحذاء أو (شحاطة بالعامية)” حيث ينقسم اللاعبون إلى فريقين وكل فريق يقوم ببناء حصن من الحجارة، ثم يحاول كل فريق تدمير حصن الأخر من خلال الشكالي أو الأحذية الخاصة بهم.

كما تمتاز الأعراس في تلك المنطقة بعادات مختلفة عن باقي المناطق السورية، فمثلاً قبل العرس توضع راية حمراء على بيت أهل العريس حتى يأتوا جميع أهالي القرية والقرى المجاورة إلى بيت العريس للاحتفال الذي قد يمتد لايام طويلة، وعدد الطبول في حفلة العرس كان دليلاً على المكانة المادية والاجتماعية التي يتمتع بها أصحاب العرس، وبعد أن تدخل العروس إلى بيت العريس مع الأغاني والأهازيج الشعبية يقوم العريس برش الحلوى والأزهار على العروس من على سطح البيت.

بلغ عدد أهالي منطقة عفرين سنة 2013 حوالي 350 ألف نسمة، أغلبهم ينتمون إلى القومية الكردية، إلا أنه وبعد سنوات الحرب الطويلة في سوريا وبسبب حركة النزوح باتت تقدر الأعداد في عفرين بحوالي مليون نسمة أغلبهم من العرب النازحين من المدن والقرى المجاورة.

أشهر الأكلات في مدينة عفرين:

يعد الزيتون من أكثر المحاصيل الزراعية المنتشرة في منطقة عفرين وذلك بسبب توفر الطبيعة والمناخ الملائمين لزراعته، فيوجد أكثر من 13 مليون شجرة زيتون في عفرين أي حوالي 15% من عدد أشجار زيتون سوريا، فمن الطبيعي جداً أن تجد على مائدة الفطور أو العشاء في أي منزل من منازل عفرين 7 أو 8 أنواع من الزيتون.

ومن أشهر الأكلات المنتشرة في المنطقة هي “البورانية”، والتي تطبخ أيضاً في موسم قطف الزيتون حيث تقوم السيدات بطبخها منذ الصباح الباكر حتى يستطيعون أخذها معهم إلى البساتين لتكون وجبة الغداء، وهي مكونة من الباذنجان، بصل، بندورة، فليفلة، عدس، لبن، بعض التوابل بالإضافة طبعاً إلى زيت الزيتون.

أساطير وقصص تاريخية عن المدينة:

القديس سمعان العمودي:

راهب ورجل دين مسيحي قام ببناء عامود بلغ ارتفاعه حوالي 15 متراً على أحد قمم جبال ليلون الموجودة في المنطقة، بهدف التنسك والتعبد والتقرب من الله، حيث تقول الأسطورة أنه بقي على العمود دون طعام أو شراب لمدة أربعين سنة وهو في حالة تصوف وعبادة،

توفي عام 459م وقام الرومان ببناء كنيسة ضخمة وفخمة حول العامود تخليداً لذكراه.

الأعراس في عفرين:

وتتمتع المنطقة بموروث شعبي غني جداً فسكان المنطقة ما زالوا يحتفظون ويمارسون عادات وتقاليد اجتماعية قديمة توارثوها على مدى العصور، كالطقوس التي ترافق حفلات الأعراس، فقبل العرس يتم إحضار حرباء لتقوم العروس بوضع منديل عليها ومن ثم تقوم بسحبه فإذا كانت الحرباء قد غيرت لونها للأسود فهو حظ سيئ، أما إذا لم يتغير لون الحرباء فستكون الحياة الزوجية للعروسين في أحسن أحوالها.

وقبل حفلة العرس يتم إحضار العروس إلى بيت العريس، مرافقة بقافلة كبيرة من الأقرباء والأصدقاء مع الكثير من الأغاني الشعبية ويتقدم القافلة أحد أطفال القرية الجميلين لتنبؤ بالذرية الصالحة.

نبذة عن الكاتب

محرر سوريالي

Loading Facebook Comments ...