فوكسات عامودا.. السفر عبر الزمن

العيش في بلدة عامودا، يجسد الحياة القديمة، حيث الحياة البسيطة للغاية. تمشي في شوارعها وتمعن النظر في وجوه العابرين فلا ترى إلا ابتسامات جميلة ترحب بك. أو نساء تخبزن في التنور، وأخريات تحلبن الأغنام والأبقار.

ترى مُسنات جالسات أمام المنازل بزيهن الكردي، ونقوش فلكلورية مزخرفة موشومة على وجوههن المُبتسمة دوماً. رعاة أغنام ومواشي في منتصف الطرقات، منازل طينية متناثرة في أرجاء المدينة. هنا كل شيء يُشعرك ببساطة الحياة، بعيداً عن الصخب والضجيج.

تتجه إلى مدخل البلدة الجنوبي حيث الفوكسات والسرافيس، تشاهد السائقين متجمعين على طاولة قد صنعوها من الكراتين، يلعبون الشدة أو الضامة. يتبادلون الشتائم بكثرة، ويشربون الشاي ويدخنون التبغ.

تركب الفوكس متجهاً إلى الحسكة، المدينة الكبيرة، وما أن تنتهي من عبور حدود البلدة وتصبح في الريف، تتوهج عيناك من الجمال وأفقه وخاصةً في الربيع. مساحات جغرافية كاملة مكسية بالأزهار والخضار، وتلل أثرية منتشرة على طول الطريق، تعود بك إلى أصالة المنطقة وتاريخها.

تغمض عينيك فترى توهج نور، لوهلة تتبادر إلى ذهنك إيحاءات، تنفضها ما أن ترى الفوكس يعبر النور، فتعلم بأن ذاك التوهج كان بوابة زمنية سيعود بك إلى زمن قديم.

تعود إلى بداية حدود الريف، فترى قرية (تل حبش) والطائرت الفرنسية تقصفها، وفي مشهد آخر تشاهد الثورة الشعبية في عامودا وريفها وهي تقاوم الفرنسيين. تبتعد قليلاً تاركاً خلفك الدخان ورائحة البارود المنبعث من البلدة، فترى آلاف فرسان قبائل المللية (الملان) يخيمون في قرية كندور، استعداداً للهجوم على قبيلة شمر العربية.

المشهد العسكري هو مشهد ثانوي لتلك القرية، فجمال القرية يكمن في تنوعها الديني..

بين أحضان طبيعة القرية الخلابة ترى مُسنين يجلسون يلفون سجائر التبغ، ويتحدثون عن  زردشت والطاووس والشيطان والله والإسلام والإيزيدية، يتبادلون كل التفاصيل الدينية، يمرر المسلم للإيزيدي لفافة تبغ، ويستحلفه بالملك طاووس بقبولها وتدخينها.

هناك لا صوت يعلو فوق صوت العيش المشترك والأخوة، صوتٌ عذب يستمتع به السامع، كمتعة النظر لألوان الطاووس المزخرفة على جدران منازل الإيزيديين في تلك القرى ككندور، وقزال جوخ، ودوكري..

يتوقف النظر في قرية دوكري، يلفت نظرك أناس يركضون من بعيد، قادمين باتجاه القرية، يقتربون فيظهر عليهم أثار العذاب والهروب.. عائلة أرمنية فرت من المذابح في تركيا، فلجأت إلى القرية ذات الغالبية الكردية الإيزيدية، فيرحب بهم السكان ويخبأونهم في حفر حفروها تحت منازلهم لحمايتهم.

عائلة كيفو الأرمنية تبدأ ببناء مطحنة في القرية وتصبح من السكان الأصليين.

فجأة يتبادر إلى سمعك صوت عذب خجول يغني أغنية كردية، قادمة من مكان قريب من القرية، تلاحق الصوت فيدلك على الطفل الأرمني إبراهيم كيفو، ابن العائلة، يُطلق صوته للمساحات التي كانت له ملاذاً آمناً من الموت، وينطلق من القرية كفنان ليكون سفيراً للفلكلور الإيزيدي للعالم.

تبدأ عجلات الفوكس بالعجلة، فتترك القرية خلفك أيضاً، وصوت إبراهيم يخفت رويداً رويداً.

تُكمل الطريق برفقة المشاهد التراثية القديمة، والريفية الجميلة، والمناظر الخلابة، وعشرات القرى التي تُخلد في ثنايا ربوعها تاريخ بأكمله.

فجأة يذهب النور ويبدأ الظلام يحل، والبوابة سَتُغلق، فينطلق السائق على عجلة للعودة إلى الزمن الحديث الكئيب، زمن التمدن. تعود فترى كآبة الاقتراب من المدينة تثقل كاهل الركاب، والسائق يتشاجر مع أحدهم لنقص الأجرة. ودخان المحروقات والشاحنات تنتشر في الأجواء وتلوثها، والفصائل المسلحة تنتشر في الأزقة، وعلى الجدران تنتشر كتابات عنصرية وطائفية.

الناس تكره بعضها البعض في المدن الكبيرة، لا أحد يحب الحياة هناك، الكل يتوق للحياة الريفية البسيطة، الكل يتوق بأن تعود عجلات الفوكس إلى الوراء، إلى عامودا.

نبذة عن الكاتب

عصام عبد الكريم

صحفي مقيم في بلدة عامودا في شمال شرق سوريا، ويعمل في إذاعة آرتا إف إم.

Loading Facebook Comments ...