السعودية و”الأصولية” الأخرى

تُثير الإصلاحات والتغييرات التي يُجريها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان انتباه الكثير من المُراقبين والمُتابعين للشأن السعودي والخليجي، إذ يعتبرونها تحولات جذرية وثورية!. فالسماح للنساء بقيادة السيارة وإقامة حفلات موسيقية عامة ومختلطة والترخيص لافتتاح دورٍ للسينما والمسرح، وغيرها من القوانين والقرارات التي تسمح للمُجتمع السعودي بحيزٍ، ولو متواضع، من الحريات الاجتماعية والثقافية العامة، يعتبرها هؤلاء المراقبون تحولات دراماتيكية خاصة واستثنائية على المُجتمع السعودي.

المقال المقروء:


– – – –

ثمة مستوى من الإعجاب والانبهار بهذه القرارات والقوانين العادية للغاية التي تُصدرها السُلطات السعودية يوحي باستبطان تصورٍ وقراءةٍ تقليديةٍ للغاية عن المُجتمع السعودي، إذ تعتبره مُجتمعاً مُتخلفاً وذكورياً وعنيفاً وغير مُندمجٍ ومُتفاعلٍ مع مجريات العالم. بقولٍ آخر، فأن التهليل المُبالغ لهذه القرارات، خصوصاً من قِبل مراكز الدراسات ووسائل الإعلام الغربية، أنما يتمركز حول مخيلة تؤمن بأن ما فرضه ويفرضه النِظام السياسي في السعودية من كبتٍ للحريات العامة والثقافية والمُجتمعية على المُجتمع السعودي الداخلي، أنما هو “حقيقة” المُجتمع السعودي، الذي ما زال –حسب منطق التهليل هذا- بدوياً وأصولياً ماضوياً، عنيفاً وذكورياً.

أن هذا المنطق سياسيٌ وانفعالي للغاية، متجاوب مع بعض الحساسيات الاستشراقية إلى حدٍ بعيد. إلا أنه أولاً غير عارف بالمُجتمع الداخلي السعودي، طبقاته وطبائعه وتنوعه وديناميكياته، وأولاً تحولاته الكثيفة التي جرت مُنذ عشرينات القرن العشرين وحتى الآن، حيث دخل المُجتمع السعودي، مثل غيره من مُجتمعات المنطقة، عصر الحداثة السياسية والمُجتمعية والثقافية، وبعدما غدت جُغرافيا المملكة العربية السعودية كياناً سياسياً واحداً، لأول مرة في التاريخ.

مُنذ اللحظة التأسيسية للكيان السعودي الحديث وحتى الآن، لم يكُن المُجتمع الداخلي ذو بُنية واحدة على الاطلاق، على المستويات الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية. فالجهويات المناطقية السعودية غير مندمجة فيما بينها إلا بالحد الأدنى وبما تفرضه السُلطة. فمنطقة عسير القروية الجبلية كانت وما تزال مُختلفة تماماً عن نظيرتها النجدية الصحراوية البدوية، والمناطق الشرقية ذات الأغلبية السُكانية الشيعية لم تكن شبيهة لمُدن منطقة الحجاز الشافعية الحيوية والمُتمدنة. فالخصائص الداخلية لكُل منطقة كانت طاغية على ما غدا مُشتركاً وشمولياً فيما بعد، بفعل سياسيات وقوانين خاصة، فُرضت على جميع المناطق والسُكان.

كذلك فأن المُجتمع السعودي اندمج واستفاد من حركة التحديث العالمية، مثل غيره من مُجتمعات المنطقة، حيث لم تكن أية قوة سياسية أو دينية تسطيع أن تعزله عن تلك التحولات التي حدثت. فقد زادت نسبة التعليم وتضخمت المُدن واندمجت النساء في الحياة العامة التعليمية والصحية والاقتصادية، كذلك فأن تراكم الثروات الشخصية مكنت ملايين السعوديين من السفر والدراسة والاندماج في الكُل العالمي واستيراد مُنتجاته، وهو ما مكنه من مُراكمة رأسمال اجتماعي وثقافي رديف وموازٍ للرأسمال المادي الذي راكمه المُجتمع السعودي.

فوق ذلك، فأن الحياة العامة السعودية لم تكن بنفس الصورة التي تُصدر عنه الآن. ففي المُدن السعودية كان ثمة حياة ثقافية معقولة، أدبية وفنية ومسرحية وحتى سينمائية، وكانت النساء السعوديات تستحوذ على حدٍ معقول من الحريات، كذلك كان ثمة مجال عام اجتماعي يتطور باضطراد، ولو بطيء، لكنه كان يتنامى على الدوام. كانت الوتيرة أسرع في الأرياف، بالذات فيما خص دور النساء والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكن كُل ذلك انقطع مُنذ نهاية السبعينات، حينما تصاعدت وتيرة الإسلام السياسي الأصولي، كاستجابة لتلاقي القرار السياسي السعودي مع الاستراتيجية الأمريكية، التي كانت تسعى لمواجهة النفوذ الشيوعي السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط عبر التحالف مع الأصولية الإسلامية وأنظمتها السياسية. كان لذلك التوجه السياسي الدور البارز في توقف مسيرة التطور المُجتمعي السعودي، التي كانت مُطابقة تماماً لغيرها من التطورات التي كانت تجري في باقي دول ومُجتمعات المنطقة.

ليس مطلوباً من أي اصلاحي سعودي أن يوحي بأنه يواجه تطرفاً مُجتمعياً جامحاً في بِلاده، ليخلق لنفسه صورة الاصلاحي العتيد، بل فقط أن يكون مُنصفاً وعادياً وحقيقياً في الاعتراف بالأصولية السعودية الأخرى، الأصولية التي تقول بأن قواعد وأصول ومنابع وديناميكيات المُجتمع السعودي عادية وطبيعية جداً، مثلها مثل غيرها من المُجتمعات، وما يلزم المُجتمع السعودي مثل غيره يُمكن اختصاره في عبارتين اثنتين: هواء وحُريات أكثر، كبتٌ وسلطوية أقل. وقتها سيكون كُل شيء على يُرام.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...