عن لذّة التكرار و تتالي الأخطاء في اليوتيوب

يحضر في منصات الفيديو كيوتيوب وغيرها نوع ٌمميزٌ من الشرائط المسجلة أساسها المونتاج، فكما لدينا السينما والفيديو أرت والفيديو كليب هناك أيضاً الـ compilation”، وهي شريط يحوي سلسلة من اللقطات المقتطعة من شرائط فيديو مختلفة ومرتبة وراء بعضها البعض لتُعرض دون توقف، هذه الشرائط تحكمها الموضوعات، والتي تتنوع بين سلسلة لمشاهد سينمائية عن بطل خارق ينقذ فتاة، حتى لقطات الرعشة الجنسيّة في الأفلام الإباحيّة، إذ لا نهاية للاحتمالات التي يمكن أن تشكّلها، ما سنتحدث عنه هي تلك المنتشرة على اليوتيوب، والتي ترتبط بأخطاء السياقات العامة كتلك المواقف المضحكة التي تحدث مع مذيعي الأخبار أو المراسلين أو الشخصيات العامة.

الزمن الاقتصادي

تقنيات التصوير والفيديو تتفوق على الحواس البشريّة، إذ أتاحت لنا التقاط الحركة والاحتفاظ بها، وتسجيل الزمن أو أجزاء منه وتكراره إلا ما لا نهاية، لنرى أنفسنا أمام حضور لحركة جسديّة خارج الزمن المحكوم بوعينا، زمن موجود ضمن مساحة موازية للواقع بوصفها صور مجتزأة عنه، ومع تطور عملية  “الإنتاج” أصبحت حركة و”أداء” الجسد أمام الكاميرا مدروسة ومقننة بل ومنهجاً علمياً يسعى للانضباط، سواء في السينما أو نشرات الأخبار أو البورنوغرافيا، المشترك بينها أنها أجساد متحركة تتبع سيناريو ما لإيصال رسالة ما. الشرائط سابقة الذكر تعتبر تكثيفاً لا متناه لحالات السهو والخطأ والصدفة وسوء التقدير والزلات والانحرفات ونقص الانتباه، وكلّ ما يمكن وصفه بأنه خارج عن السيناريو الرسميّ للأداء، فهذه الشرائط تجمع الانفلاتات من سطوة الزمن المقنن الذي من المفترض أن تلتقطه الكاميرا، هذا الزمن سياسي واقتصادي، وهو يضبط أداء وكلمات الفرد حين يقف أمام الكاميرا، إذ لا مجال للخطأ كون كل ثانية لها ثمن وقيمة، وعلى الفرد أن يؤديّ دوماً دوراً منتجاً خلال هذا الزمن.

التكرار كإنتاج للذات

هذه الشرائط هي تكثيف لسلسلة من الأخطاء المختلفة التي من المفترض ألّا تحدث،  تلتق عيوب في الحضور أمام الكاميرا سببها السياق أو سوء الأداء، هذه المشاهد المتتابعة  تخلق نوعاً من الرضا وتحاكيّ لذّة دفينة وفيتشيّة حين نشاهدها، كونها تصورّ مشاهد الإذلال العلنيّ، فهذه الأخطاء التي ليس من المفترض أن نراها، تنعكس على سلوكنا كأشخاص متورطين في الفضاء العام المسيسّ، وإن لم نكن أمام الكاميرا، لكننا حين نكون “خارجاً” فنحن نؤدي ونكرر هذا الأداء كي نكون “طبيعييّن”، والأداء هذا هو حقيقة وجودنا كأفراد نُشاهِد ونُشاهَد، بوصفنا موضوعة علنيّة ذات شكل وأداء محدد لا يحتمل الخطأ، وحين “نحدّق”  بأولئك الذين تركز الكاميرا عليهم وعلى حركاتهم فنحن نتعلم منهم أصول الأداء، بوصفهم النموذج عن الظهور المتقن الذي نحاول اقتباسه ومحاكاته، وسلاسل الأخطاء هذه نماذج عمّا لا يجيب فعله وما لا يجوز اقتباسه، أشبه بوسيلة هيمنة سياسيّة واجتماعيّة،  ورقابة على سلوكنا كي لا نبدو حمقى أو نتحول لأضحوكة، فهي لا تشابه ما نراه في المسرح أو ما تمارسه فنون الأداء من سوء اقتباس أو  إضحاك، هي أشبه بعبارات تنبيه تصرخ لا تخالف دورك كي لا تتحول إلى موضوع للسخريّة وتفقد مكانتك في الفضاء العام، ومشاهدتها تخلق تقريباً ذات تأثير المسرح، هي تنتج نوع من الطمأنينة لدينا، فلقطات لممثلين ركلوا مراسلاً أو فنانات سقط فساتينهنّ، تغذي غرورنا الذاتيّ بوصفنا ندّعي الترفع عن الخطأ، كوننا نظن أننا لسنا بغباء من نراه على الشاشة، وتوثيق سوء الأداء هذا وبهذه الصيغة يشابه السلوك الاستمنائيّ، يثير فينا بصورة متصاعدة رغبة الانفلات من سلطة التحديق الممارسة علينا، فأخطأ من نراهم تعني أنهم ولو دون وعيّ رفضوا أدوارهم المنتجة/التكاثريّة.

لذة التخريب

تلتقط الـ compilation الزمن اللامُنتج والعيوب البشريّة، هي لحظات نكتشف فيها آلية صناعة “النماذج” وهشاشة الأداء البشريّ، فالخطأ هنا يَسخر ويكشف في ذات الوقت عن مفهوم “الأداء العلنيّ” أو اللحظات التي نكون فيها مرئيين، سواء أمام العدسة أو أمام الجمهور، وسعينا للانضباط بقواعد “حسن السلوك” و”اللياقة واللباقة”، وما يحدث أن هذه المنتجات ذاتها تخاطب وتدغدغ فينا ذاك الشغف الطفولي لكسر القواعد، كونها تندرج تحت تصنيف كوميديا العثرات، التي يحضر فيها الخطأ نتيجة سوء أداء فرديّ أو سوء تقدير، فهي مُنتج مكثف للأخطاء التي لا تتوقف، صحيح أنها تستخدم في بعض الأحيان بصورة مقصودة لأنسنة “النموذج”، لكن بعضها غير مقصود وخارج عن الحسبان فزلات اللسان والسقوط والسباب الخفيّ، كلها أشكال للتخريب العفويّ التُقطت وكثفّت ضمن ساعات لا متناهية. ونحن كمن يتلصص مستلذاً بتخريب لعبة ما، فالمخرب لا ينفي نفسه فقط من اللعبة بل كل المتورطين معه، ويمكن أن يُفشل اللعبة بأكملها ويوقفها.

اللذة في هذه السلاسل أنها توثيق للحظات تنتمي إلى خارج الوقت الممنهج والمقنن، هي انعكاس للحظات الهدر في ماكينة ضبط الزمن الذي نحياه ونتلقاه، نشاهدها كونها تخالف الحذر الذي نمارسه في حياتنا اليوميّة، هي توثيق سريع ومتكرر ومتنوع لمساحات زمنيّة منفية من السيناريو العام، إذ نجلس أمام الشاشة لنتابع حلمة انفلتت صدفة، أو مذيعاً يلفظ كلمة خاطئة، دون أن ننتظر أي فائدة سوى الضحك لأن أحدهم أخطأ في التقدير. هي توثق لحظات مستقلة عن الزمن، لا يمكن تكرارها كونا تحدث مرة واحدة وفقط، وكأننا كمشاهدين أمام نشوة التقاط الغياب، هي ساعات طويلة من لحظات “الفشل” في أن يكون الفرد ما يفترض أن يكونه، هي العيوب البشريّة في عجلة الإنتاج الصناعي للصورة والحركة، وتقترح أشكال أخرى لحركة الجسد لا تنصاع لسياسات التمثيل.

نبذة عن الكاتب

عمار المأمون

صحفي سوري مهتم بالشأن الثقافي في المنقطة العربيّة

Loading Facebook Comments ...