عايشة ميتة – حكواتي سوريالي 191

شو ممكن يصير بعقل وقلب إنسانة حساسة، وقت بتفقد أخوها، ومو بطريقة عادية، لأ بتقفده لأنه مات تحت التعذيب؟

مرام ما قدرت تتحمل هالشي، ولا قدرت تتوازن، شو عملت؟

خليكم مع حكواتي سوريالي وحلقة اليوم لتعرفوا حكاية مرام

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

– – – –

بكل بيت من البيوت في حكاية، وورا كل شباك في قصة، وغالباً مع كل قصة في غصة.

وغصتنا اليوم غصة كبيرة، غصة على صبية رقيقة وعاقلة ورزينة، اسمها مرام.

مرام صبية بأول التلانيات من عمرها، من وقت ما كانت صغيرة كان الكل يقول عنها مرام الهادية، كانت بتكره الأصوات العلية، وبتحب تلعب الألعاب يلي ما بدها نطوطة وركد، كانت دائما بتفضل إنها تكون مع رفيقة تنبسط معها ويقضوا ساعات وهنن عم يحكوا على انها تكون مع مجموعة كبيرة من الأطفال!

حتى بالمدرسة كانت دائما مكتفية برفيقة او رفيقتين على الأكتر، بتحب الألوان الكلاسيكية ودائما بتسمع لفيروز، مع أنه بنات جيلها بيحبوا الأغاني الجديدة أكتر، وبالرغم من إنها كانت شاطرة كتير بالمدرسة الا أنها كانت بتفضل ما تشارك بالحصص وبالنقاشات يلي بتصير، وكانت دائما تشكل صدمة للأساتذة وقت تطلع نتائج الامتحانات، أنه معقول مرام هي البنت يلي ماحدا انتبهلها طلع معها هالعلامات العالية هي؟!

مرام كانت الوسطانية بين أخواتها، في أكبر منها تنين وأصغر منها تنين، متل ما بيقولوا وحيدة على أربع شباب، يعني المدللة، بس هي فعلياً ما كانت هيك، مو لأنه أهلها ما بدهم يدللوها، بس لأنه هي مالها طلبات متل باقي يلي بعمرها، وقنوعة ومكتفية بيلي عندها.

وسنة ورا سنة كانت عم تكبر مرام وتشكل نظرتها الخاصة للمجتمع يلي حواليها.

خلصت مرام البكالوريا واختارت إنها تدرس علم نفس، مع أنه علاماتها كانوا بيفوتوها هندسة، بس هي كانت بتفضل إنها تعرف نفسية الإنسان أكتر من هندسة البنيان، هيك كانت تقول لما يسألوها ليش اخترت عالفرع.

وأثناء دراستها التقت بالشب يلي حبته وتزوجوا وجابت طفلين، بعدها حبت إنها تكمل دراستها وتخصصت بسايكولوجيا الأطفال، كانت تحس أنه الطفولة هي الحياة، وهي المستقبل، وكانت تشوف أنه الطفولة مظلومة ببلدنا، وبكتير من البلاد العربية، مشان هيك اختارت هالفرع على أمل إنها تعمل فرق ويكون إلها بصمة بهالمجال، وبالفعل عملت سلسلة قصص للأطفال ركزت فيها عالقيم يلي عم تنفقد.

ومن بعدها عملت صفحة عالفيسبوك وبلشوا العالم يعرفوها، ويوم ورا يوم صارت الاستشارات تكتر على صفحتها، كان دائماً يوجعها ويفاجأها حجم المشاكل الأسرية وكمية الجهل يلي عم تأثر عالأطفال، وشوي شوي لقت إنها كرست حياتها لتساعد العالم وتوقف معهم ليتخطوا مشاكلهم ومشاكل اطفالهم، ويتعاموا معها صح.

بس يلي صار بعدين ما كان بالحسبان..

بلشت الثورة…وأهلها لمرام كانوا من أوائل مين انضمولها وطلعوا بالمظاهرات… وبلشت الاعتقالات… والخوف انتشر… والعيل بلشت تفقد من ولادها… يوم اخ ويوم أب ويوم ولد يوم بنت يوم أخت ويوم زوج أو زوجة، وشهر ورا شهر وسنة ورا سنة المصايب تكتر، استهداف حي… مجزرة… صاروخ … كيماوي… النظام ما ترك شي ما ساواه ليخرب الثورة والبلد.

الثورة كانت فاصل بحياتها لمرام، نوعية الاستشارات يلي صارت تجيها مختلفة، كم الكآبة يلي صارت عم تتلقاه من العالم المحاصرة كبير كتير، بس مع هيك كانت عم تقدر تكمل وتستجيب، حست أنه هاد دورها، وهاد أكتر شي بتقدر تساعد فيه.

لحد ما إجى اليوم يلي بعده تغير كل شي، خبر اعتقال اخوها وابن خالتها بنفس اليوم، وبعد 3 شهور خبر استشهاد اخوها بالمعتقل تحت التعذيب..

كانوا هدول الـ3 شهور بمثابة صاعقة نزلت على راس العيلة… شباب متل الوردة… أخوها كان عريس.. أخدوه قبل عرسها بأقل من أسبوع… وابن خالتها لحد هلأ ما حدا بيعرف عنه شي…الأغلب بيقولوا مات، بس هنن ما وصلهم عنه شهادة وفاة… فلسا عندهم أمل…

مرام بعد هاد الشي يلي صار ضعفت كتير… بالبداية اجتها حالة من الجمود التام، استمرت معها أسبوع تقريباً… متل كأنها مالها مستوعبة الشي يلي صار أو ما بدها تصدقه ولا تقتنع فيه ..عم تحاول تنكره، بس لما تيقنت أنه حقيقة ما في مهرب منها… بلشت مرحلة الانهيار…مرحلة البكي بلا توقف…المرحلة يلي الكل بيقول فيها الصبر.. والموجوع بيكون عم يفكر من وين بدي جيب هالصبر ويا ريت لو فيني اصبر عالصبر..

لكن المفروض أنه بعد هالمرحلة ترجع مرحلة القوة… والقوة بتجي لما الانسان بيرجع يعمل الشي يلي بيحبه.. ويرجع يكمل حياته… بس يلي صار مع مرام إنها لما حاولت ترجع عالحياة…كل شي وقف بوجهها..

وقت فتحت مرام صندوق البريد بصفحتها لقتها مليانة رسايل من العالم يلي بيتابعوها، بس لما بلشت تقرا الرسالة بلش يصير معها شي غريب…حست إنها عم تتقمص كل حالة وتعيش كآبتها وترجعلها مرحلة الانهيار مع كل مشكلة عم تمر عليها…

مرام بعد الحادثة صار عندها مشاكل نفسية هي الى الآن عم تتعالج منها… سكرت بريدها وماعد قدرت تقرا استشارة من اي حدا…الهدف يلي كانت حاسة حالها عايشة مشانه وكرست حياتها إله راح… راح بسبب ظلم وجبروت واجرام…

صحح مرام ما إجى القصف عليها وما نزل برميل ولا قذيفة جنبها… وبعدها عايشة هي وأطفالها…بس مرام مع كل مشهد اخباري حزين ومع كل خبر بتتلقاه ومع كل مشكلة صغيرة أو كبيرة بتسمعها بترجعلها حالة الإنهيار…

صح مرام لساتها موجودة بالحياة.. لكنها خسرت المعنى بالحياة… المعنى والهدف يلي كانت عايشة مشانه… وكانت بمثابة يلي فقدت الحياة…وهي عايشة.

نبذة عن الكاتب

معد ومقدم برامج ، ومشرف قسم الدراما براديو سوريالي ممثل ومخرج مسرحي ، وحكواتي ، مقيم حالياً ببرلين_المانيا "بحب الطبخ ، وابتكار طبخات جديدة بخلطات مختلفة ، ويلي بيحب يجرب مية أهلا وسهلا ايمتى ماكان"

Loading Facebook Comments ...