خرائب المملوكية السورية الحديثة

كان يُمكن تلخيص “حكاية” المماليك في سطورٍ قليلة، المماليك الذين حكموا منطقتنا لقُرابة ثلاثة قرون، ومن ثُم حكموها بأشكالٍ مُختلفة ونسبية لثلاثة قرونٍ أخرى. لسبب ما، لم تسع كُتب التاريخ في مناهجنا التربوية، السورية على أقل تقدير، لتلك الحكاية السردية البسيطة؛ لذا غاب عنا شيء كثير من تاريخنا الذي ما زال يُستعاد ويؤثر علينا ويتلون بأكثر من شكل.

المقال المقروء:

– – – –

تقول الحكاية بأن القوى والجماعات المركزية في الدول والإمبراطوريات الإسلامية القديمة حينما توسعت في العصور الوسيطة، فأنها احتاجت إلى قوى عسكرية مُحترفة، ولأسباب تتعلق بخلافات مُجتمعاتها الداخلية، فأن زُعماء كُل كيانٍ مُنهم صاروا يُفضلون العناصر وقادة الجُند “الغُرباء”، الذين لم يكُن لهم امتدادات وعصبيات مُجتمعية داخلية، كي لا يتمردوا على ولاتهم السياسيين. من ذلك المبدأ بالضبط تشكل المماليك كقادة جُندٍ مُحترفين في اوائل تشكلهم، مال لبثوا إلا أن تحولوا في مراحل تفكك تلك الدول والإمبراطوريات التي كانت الراعية لهم إلى ذوي القرار، غدوا أُمراء وولاة وحتى ملوك.

كان لتفكك الإمارات الأيوبية الدور الأبرز في ذلك، ففي خِضم الصراع بين أبناء وأخوة صلاح الدين الأيوبي، نال المماليك حظوتهم الأولى، خصوصاً من خِلال تصيدهم للحملة الفرنجية الخامسة على مصر. ومن ثُم صاروا قوة حُكم شرعية تماماً فيما بعد سنوات قليلة، حينما تصدوا لغزوة المغول في معركة عين جالوت، حيث كانت أول مرة تستطيع فيه قوة إسلامية ما أن تتصدى للهجمة المغولية الماحقة.

حكم هؤلاء المماليك مصر وبِلاد الشام والعراق والجزيرة العربية لقرونٍ بعد ذلك، إلى أن سقط حُكمهم على يد العُثمانيين بعد معركة مرج دابق في أوائل القرن السادس عشر. لكنهم بقوا يحكمون، طوال ثلاثة قرونٍ أخرى، الكثير من المُدن والولايات، وتحت عباءة الإمبراطورية العُثمانية.

القضية، أن عصر هؤلاء المماليك كان الأكثر ظلامية في أغلب المستويات، مقارنة بممالك وحُقب الحُكم الأخرى. فقد كان عصر المماليك ظلامياً على مستوى تطور المُدن والمعارف والصناعات والإبداعات وحرية المُعتقد والضمير، كذلك عصراً مُريعاً لهيمنة الجماعة “السُنية” السلفية المُحافظة على تبعة باقي الأديان والمذاهب الإسلامية، بنفس المستوى انقطعت علاقة المناطق الإسلامية الخاضعة لهم مع باقي العالم، وتراجع دورها ومساهمتها في الكُل الإنساني.

حدث ذلك “الانحطاط” الحضاري لعديد من الأسباب، على رأسها طبيعة تلك الطبقة المملوكية التي حكمت. فقد كانوا مُجرد مقاتلين غُرباء استولوا على السُلطة، وبقيت السُلطة أداتهم للمحافظة على موقعهم وعضويتهم في المُجتمعات التي حكموها دون إزدراء، لذا بقيت السُلطة العارية المُطلقة ذروة ما يطمحون إليه، دون أن تتحول ويطرأ عليها تغير داخلي، كأن تتلبس كياناتهم بروحٍ ورؤية إمبراطورية قادرة على اصطناع أسس موضوعية لنهضة حضارية ما.

بالتفصيل، هل سوريا مُنذ نصف قرنٍ وحتى الآن سوى استعادة تفصيلية لتلك الحكاية البسيطة. ألم يكن حافظ الأسد، ومن قبله جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم والقذافي وعلي عبدالله صالح، ألم يقدُم كُل هؤلاء من مُعسكرات الجيش والطبقات الاجتماعية الأكثر غرابة عن المتن الاجتماعية، ثُم استولوا على السُلطة عبر الأدوات العسكرية العنيفة. كذلك بقوا لعقودٍ موالين لسُلطتهم المُطلقة، وإن على حِساب مُجتمعاتهم وتطورها، نموها ومنجزاتها ومُدنها ومعارفها وحياتها العامة ومنتجاتها الحضرية، لأسباب مُطابقة لتلك التي دفعت المماليك لأن يفعلوا ذلك.

في سوريا تضخمت خرائب المماليك الجُدد هؤلاء، بالضبط لأن الحُقبة المملوكية السورية تجاوزت بعُمرها باقي الحُقب المملوكية. كذلك لأنها كانت المملوكية السياسية الأكثر خشية من مُجتمعها الداخلي، من طبقاته الأكثر تعليماً وأفراده الأكثر ثراء وناسه الأكثر حيوية والأقدر على المُبادرة. وفوق ذلك لأنها لم ترض إلا أن تختم فظاعتها بحرب أهلية مُتعددة الأوجه والمسارات.

لكن المملوكية السورية الحديثة تضخمت لأنها كانت نتيجة لتوافقها مع قوى إقليمية ودولية، اعتبروها دواء مُناسباً لإخضاع المُجتمع السوري وتطلعاته. وفي آخر المطاف، فأن المملوكية السورية كانت غليظة وثقيلة الدم، لأنها فوق فظاعاتها وعُنفها وخرائبها، كانت تتمسك بالبراءة والطُهرانية، عبر خِطابات المقاومة والمُمانعة التي لم تعد تنطلي على أي أحد.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...