إيكاروس: السينما في مواجهة الاستبداد الروسي

أكبر من فضيحة منشطات

لا يكتفي فيلم “إيكاروس” (121 د، 2017)، الوثائقي الحائز أخيراً على أوسكار أفضل فيلم وثائقي 2018، برفع الغطاء عن تلاعب في ملف المنشطات التي يتناولها أبطال رياضيون، وكان لذلك وحده ربما أن يجعل منه فيلماً ناجحاً، إنما يخاطر بوضع قضية المنشطات في صلب مواجهة أعتى الأنظمة الشمولية، ونعني روسيا، وعلى رأسها فلاديمير بوتين، التي ينسب إليها اليوم أخطر قصص التلفيق والتزوير، من بينها قضية التدخل والتأثير في الانتخابات الأمريكية الرئاسية.

تبدأ حكاية الفيلم عندما يقرر مخرجه الأمريكي براين فوغيل، وهو إلى جانب عمله كمخرج هاوٍ لرياضة الدراجات الهوائية، اختبار إمكانية أن يتعاطى هو نفسه المنشطات أثناء المشاركة بمسابقات، فإن نجح في ذلك يعني، حسب رأيه، أن أياً كان من الرياضيين يستطيع أن يتوّج بطلاً، وهو يبدأ فيلمه باستعراض بعض أبطال الرياضة المتوّجين، وبعضهم كان مثالاً شخصياً يتطلع إليه، كيف وصلوا إلى تلك المكانة، وكيف انطلى على مخابر الكشف عن المنشطات أنهم كانوا يتعاطونها ونفذوا مئات المرات.

يتلقّف المخرجُ وفيلمُه هديةً غير متوقعة، حين يُنصَح بالاستعانة بغريغوري رودشينكوف، مدير الوكالة الروسية لمكافحة المنشطات، كي يضع له برنامجاً يساعده على تعاطي المنشطات مع إمكانية الإفلات من قبضة المختبرات.

مع وجود شخصية إشكالية كرودشينكوف سيتحدّد مسار جديد للفيلم، إذ يقول هذا الخبير الروسي للمخرج الأمريكي “أنا وأنت نلعب أخطر لعبة في تاريخ الرياضة، و”وادا”(الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات) مستعدة للدفع كي نختفي أنا وأنت، لأننا نستطيع ليس فقط تدمير مستقبلهم، بل ماضيهم  كذلك”.

مع ظهور رودشينكوف في فيلم “إيكاروس” (وإيكاروس في الأسطورة الإغريقية هو الفتى الذي منحه أبوه جناحين من ريش وشمع كي يطير بهما، فلمّا اقترب من الشمس ذاب جناحاه وسقط) سيصبح جورج أورويل وروايته “1984” حاضرين على الدوام في الفيلم، سواء بنسخة من الكتاب بين يدي رودشينكوف، أو باستعارة عبارات وعناوين، أو حتى بتقسيم جزء من مشهدية الفيلم على وقع تلك الرواية، حين استخدم الفيلم عناوين وتقسيمات مثل “التعلّم، الفهم، التقبّل”.

الخبير الروسي يبدو هنا معادلاً لشخصية ونستون سميث في رواية أورويل، وإذا كان ونستون في الرواية موظفاً في “وزارة الحقيقة” تلك التي “لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، بل مهمتها تلفيق اﻷخبار غير الحقيقية والانتصارات الوهمية للأخ الأكبر”، فإن  رودشينكوف موظف في “وكالة مكافحة المنشطات”، ومهمتها الوحيدة هي التحايل والتزوير وحشو الأبطال بالمنشطات.

ميداليات وحروب

رودشينكوف هو جزء من النظام، أدى خدمات كبرى له بمساهمته في التزوير، ولكنه كان يجد نفسه دائماً في قلب التناقض، وسنستمع إلى صوته في نهاية الفيلم يفسر: “كنت أقوم بأمرين معاً، يلغي أحدهما الآخر. نظراً لأنهما متناقضان تماماً: إعطاء المنشطات ومكافحة المنشطات. كان إيماناً نقياً ودقيقاً بفكرتين متناقضيتن.  كنت أَشبَه بعبد. حريتي كانت عبوديتي، حتى النهاية”.

هنا يبرز أن الفيلم لم يكتف باستخدام رودشينكوف لفضح ملف المنشطات، لا ينسى الفيلم بطله، أدرك أنه أمام شخصية معقدة، ضحية نموذجية للأنظمة الشمولية.

ورغم أن رودشينكوف قرأ رواية “1984”، هي التي تستلهم نموذج ألمانيا النازية، أو الاتحاد السوفياتي كأنظمة شمولية، مبكراً فإنه لم يستطع أن يتفادى مصير بطل الرواية.  لقد استُخدم من قبل النظام بخدمات كبيرة، ثم زج في مشفى الأمراض العقلية بعد محاولة انتحار، ونقل تالياً إلى مشفى آخر ليوضع مع الساديين وعتاة المجرمين، ثم يخرجه بوتين من السجن “للتكفير عن أخطائه”، كي يرافق المنتخب الأولمبي الروسي إلى لندن عام 2012.

يتابع وثائقي “إيكاروس” تقارير ومؤتمرات صحفية عديدة تفضح التلاعب الروسي. والقضية ليست جديدة فهو يشير إلى وثائقي سابق بثّته شبكة «إيه آر دي» التلفزيونية الألمانية العام 2014 بعنوان «منشطات سرية للغاية – كيف تصنع روسيا أبطالها؟» تضمّن ادعاءات بأن الرياضة الروسية غارقة في عمليات منظمة وممنهجة لتعاطي المنشطات، وكذلك في الفساد.

بعد أحد التقارير الحاسمة (تقرير جنيف 2015 الذي ستؤكد فيه الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات اتهامات الوثائقي الألماني) يقرر رودشينكوف الهروب من موسكو. يعرف أنه بات معرضاً للخطر، ويعتبر أن “بوسعهم التضحية بي بأي وقت”. عندما يصل إلى الولايات المتحدة سيلتقيه صحفيو الـ “نيويورك تايمز”، وعندها ستكون الضربة المدوية.

سيعطي رودشينكوف في تلك المقابلة كل التفاصيل التي بحوزته، وهو قد هرّب القرص الصلب الخاص بحاسوبه، وشرح، كما أكد تقرير جنيف، أن رجال الـ “كي جي بي”، مخابرات الاتحاد السوفياتي، التي سيصير اسمها لاحقاً “اف اس بي”، كانوا في المختبر، في مبنى مجاور للتدخل والتلاعب. كما أكد أن الأمر يحدث بعلم وإدارة بوتين. حتى أن الخبير الروسي يتحدث عن أولمبياد سوتشي (2014)  وكيف توعّد بوتين بـ “أن نريهم في سوتشي من هي روسيا”، مؤكداً بأنه تقرر استخدام المنشطات المعززة للأداء في تلك الأولمبياد.

يقول رودشينكوف إنه “بفضل نظام المنشطات حصلنا على ثلاث عشرة ميدالية ذهبية، وكان بوتين سعيداً جداً. حصدتْ روسيا المركز الأول في جدول الميداليات في سوتشي”.

 يقول رودشينكوف إن بوتين بعد ذلك مباشرة، أي بعد سوتشي ، شنّ الحرب على أوكرانيا، ويشرح: “كان مستوى شعبيته في روسيا في انخفاض مستمر  منتظم على مرّ السنين. لكن عندما ابتدأت الألعاب ارتفعت شعبيته إلى أعلى مستوى”. ثم يعلق: “شعرت بذنب شخصي لحدوث ذلك. لو حصلت روسيا على عدد أقل من الميداليات لما كان بوتين عدائياً لهذه الدرجة”. (هنا، أثناء حديث رودشينكوف سنرى مشاهد للغارات الروسية، صور الضحايا والدم في  أوكرانيا).

فصل الرياضة عن السياسة

وتماماً مثلما يفعل أبطال الرياضة الغشاشون، تواصل روسيا إنكارها، إذ ينفي وزير الرياضة، الذي رقّي تالياً إلى نائب رئيس الحكومة، ضلوع روسيا بالتلاعب. وقال بوتين “إنها مجرد افتراءات من مرتدّ”، منادياً بـ”إن العالم يجب ان يفصل السياسية عن الرياضة”. وبهذا الصدد يستعيد  الفيلم هذه العبارة “إن قَبِلَ الجميع بالكذبة، سوف تدخل التاريخ على أنها الحقيقة”.

وكما يحدث دائماً في الأنظمة الاستبدادية سيواجَه الأمر بحملة تستهدف أهلية ومصداقية ررودشينكوف، عمادها التشكيك بصحته العقلية، والإشارة لمحاولة انتحاره، والحديث عن كونه مصاباً بمراحل أولى من انفصام الشخصية.

كذلك راح الإعلام الروسي يتحدث عن كشفه لمراسلات بين المخرج الأمريكي ورودشينكوف (ما يعني مؤامرة كونية). جرّدته الحكومة الروسية من كل ممتلكاته الشخصية، فتحت تحقيقاً جنائياً بحقه. تم استجواب زوجته وأطفاله وأخته وتفتيش منازلهم ومصادرة جوازات سفرهم . وتم تصويرهم للناس كوحوش.

مع فيلم “إيكاروس” لم تعد الحكاية أننا بتنا أمام أبطالـ (نا) المزوّرين، ولا أمام مجرد التشكيك بصدقية كل الرياضات، عبر عقود طويلة، بل مع نظام شمولي مستبد يقود أخطر حملات التزوير والتلفيق، من دون أن يتحمّل أي نتائج أو عقوبات، فرغم كل الأدلة الجنائية التي تشير إلى فساد وغش برعاية الدولة، إلا أن “اللجنة الأولمبية” رفضت توصيات “وادا” بالقيام بحظر شامل على الرياضيين الروس. بل نجد أن العالم يتطلع الآن بشوق لفعاليات بطولة كأس العالم 2018، التي تستضيفها روسيا. فأي مجازر سترتكب بعدها؟

حتى الساعة لم يستطع الفيلم الوثائقي “إيكاروس”، كما لم تستطع كل لجان التحقيق أن تدفع روسيا للاعتراف، على الأقل، بالتزييف الحاصل.

 لكن لا شك أنه له فضل قول الحقيقة، الأمر الذي لم يعد مجرد شكل من أشكال “أضعف الإيمان”، فـ “في زمن ينتشر فيه الخداع على نطاق واسع يغدو قول الحقيقة عملاً ثورياً”، كما يكتب الفيلم في مستهله، حسب عبارة جورج أورويل.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...