لماذا ننتظر أن تقصف بلداتنا لنخبر العالم عنها؟

قبل اندلاع الثورة السورية، وبحكم صغر سني آنذاك الذي لم يتح لي التنقل والتعرف على مدن وقرى سوريا، كانت نافذتي لبلدي من حي الجزماتي في حلب هي الأعمال الدرامية المقدمة لنا، عبر القناة الأولى والفضائية السورية، والتي كانت ترسم لنا سوريا، كمجتمع واحد مثالي يتحدث فيه الممثلون بما يسمى اللهجة السورية البيضاء، وما تبقى من سوريين، أبناء المحافظات الأخرى كثيراً ما كان يتم وصمهم بصفة بعينها وتعميمها على هذه المحافظة.

 كانت الأعمال الدرامية تعكس ثقافة المجتمع الحلبي مثلاً على أنه مجتمع مقيّد بالعادات والتقاليد والاهتمام بالطعام ولا شيء سواه، وكانت تقدم ابن المناطق الشرقية على أنه جاهل ويقطن في العصر الحجري وجل اهتمامه تعدد الزوجات، وإن كان ما يتم تقديمه فيه جزء من الحقيقة ولكن كاتب العمل ومخرجه ومنتجه لم يكلفوا أنفسهم بالبحث ومحاولة تفسير هذه الظواهر!

قدمت لنا الأعمال الدرامية كل محافظة مع صفة واحدة، وما زاد الأمر تعقيداً بالنسبة لي بخصوص صحة هذه الأعمال ما أتى مع اندلاع الثورة عام 2011 من اعتصامات في بلدات وقرى لم يتم ذكرها في الأعمال الدرامية ولم يتم التركيز عليها في نشرات الأخبار كغيرها.

 وعلى ما اعتقد أن هذه البلدات ثارت، جزئياً وبمعنى من المعاني، كي تتساوى مع غيرها على وسائل الاعلام، حيث أن نقاط التظاهر والتي لحقها القصف الممنهج من قبل طيران النظام السوري، أبرز بلدات سورية ودفع بها إلى صدارة وسائل الإعلام، لتتكشف لي حقائق لم أكن أعرفها عن أهل دير الزور الذين أسقطوا تمثال الأسد الأب في مدينة البوكمال (نيسان ٢٠١١)، والذين لم أكن أعرف عنهم قبل ذلك شيئاً سوى أنهم يأكلون البامية، ولم تعد حلب التي تم فيها تأسيس أول مجلس محافظة منتخب انتخاباً ديمقراطياً (٢٠١٣) مجرد مدينة لا تعرف إلا صناعة الصابون.

كل هذا زاد الثقل على تفكيري ورغبتي بالبحث والقيام بالزيارات والاطلاع على المجتمعات السورية وثقافاتها، وما زاد من صعوبة هذه المهمة علي تقلص المساحات الجغرافية التي أستطيع التنقل فيها، فلا أستطيع الذهاب إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري بسبب الملاحقة الأمنية منذ عام ٢٠١٢.

 وبسبب كرهي للسلاح والتجنيد الإجباري الذي كان أحد الأسباب التي دفعتني للخروج بالمظاهرات، لا أستطيع الذهاب إلى مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” التي تعتمد أسلوب الأسد نفسه بالتجنيد الإجباري، السبب الذي دفعني إلى العودة الى ريف حلب الشرقي بعد نيتي بالاستقرار في مدينة الرقة إثر طرد تنظيم “الدولة الإسلامية”- داعش منها.

لتبقى أمامي مساحة جغرافية صغيرة جداً مقارنة بمساحة سوريا، وليتحول الحلم أمامي من شاب كان يحلم ينشر مقالات مذيلة باسمه، إلى سائق ميكرو باص ستيني غير مطلوب لأي جهة عسكرية ويجوب سوريا من شرقها لغربها، واضعاً كاميرا غوبرو على سيارته تصور له الطرقات والقرى السورية.

في المساحة الجغرافية الضيقة التي تحاصرت بها بت أبحث عن باب قديم تاريخياً لتصويره أو أجتهد بالكتابة عن هذه المساحة حتى لا تنتظر القصف كي تظهر على وسائل الإعلام.. لماذا لا نذكر حجارة وقرى بلدنا وتوثيقها إلا بعد قصفها؟!

بت أبحث فيما قرأته وفيما شاهدته عسى أن يكون هنا ما يطابق جغرافيا المكان.

عندما سيطرت فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا ضمن عملية غصن الزيتون على قرية ميدان اكبس بريف حلب الشمالي، خفق قلبي لزيارتها وتوثيقها. كنت قد تعرفت على هذه القرية من خلال وصف الكاتب والروائي السوري خالد خليفة لها بروايته “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، وبت عند زيارتها أتلمس بعض أحداث الرواية وتفاصيلها عن محطة القطار وعن القرية، وعن ذاك التفصيل الذي أضحكني أثناء تصوير المحطة: عندما وبخ عنصر الجيش التركي أحد شخصيات الرواية وطلب منه العودة إلى سورية خلال تجاوزه ” تيل” الحدود. لو يأتي الكاتب الأن إلى القرية، لشاهد جداراً إسمنتياً عالياً جداً تم بناؤه بوجه شخصية الرواية، ولرأي كيف باتت المحطة مجهورة وجلفة، لا مسافرين فيها ينتظرون قطاراً يقلهم إلى محطة بغداد في حلب، ولم يعد فيها إلا صورة وعبارة مكتوبة بالخط الكوفي تطالب بحرية قائد حزب العمال الكردستاني التركي عبد الله أوجلان المعتقل في تركيا منذ عام ١٩٩٨.

إحساس لم أعرف كيف أفسره، كنت قد شعرته أثناء تطابق ما قرأته بشيء أشاهده أمامي، إحساس يزيد من قناعتي بوجوب توثيق القرى السورية بالكلمة المكتوبة والصورة للمرئية لكي تتساوى قرى سوريا أمام وسائل الاعلام دون أن تقصف.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...