أُمة فالح عبد الجبار

كان ثمة فكرة جوهرية يدافع عنها المفكر وعالم الاجتماع العراقي الذي رحل قبل أيام فالح عبد الجبار على الدوام، يذكر ويدافع عنها في كُل جلسة ومُحاضرة، وكأنها مُتلازمته الذهنية لأية محاولة لفهم أحوال مُجتمعاتنا. كانت الفكرة تقول ببساطة أن الدولة هي مُجرد جِهازٍ إداري ضخم لتيسير أمور المواطنين عبر كُتلة من المؤسسات الإدارية، لكن في حيزٍ واحدٍ منها فحسب، لكنها في الحيز الأوسع، أي الدولة، هي تمثيل وانعكاس لأمة المواطنين الذين يعيشون بداخل هذه الدولة، بكل هوياتهم وثقافاتهم وخياراتهم وقضاياهم وتمايزهم عن باقي الأُمم الأخرى. فالدولة ليست مُجرد جِهاز مُجرد وحيادي ووظيفي فحسب، بل مرتبطة بهويتها وطبيعتها، وحتى بوظائفها، بما تُمثله من شعب.

المقال المقروء:

– – – –

كانت فكرة عبد الجبار عن الأُمة تقول ثلاثة رؤى جوهرية عن مُجتمعاتنا المحلية وعلاقتها المُعقدة مع الدولة ومساعيها لأن تتحول من جماعات أهلية محلية إلى أُمة ذات هوية جمعية شاملة ومُتمثلة في الدولة.

فمن جهة تثبت بأن الأنظمة التوليتارية الرثة، التي حكمت أكثر من دولة في المنطقة، ليس لها أي مُستقبل وأفق لأن تُقدم شيئاً لمُجتمعاتها. فنِظام الأسد والقذافي وصدام حُسين، ومثلهم الكثيرون، حاولوا أن تكون دولهم/أنظمتهم مُجرد أجهزة إدارية ضخمة وتسلطية على مُجتمعاتهم، دون أن تكون تمثيلاً لهم، أياً كانت تناقضاتهم وخياراتهم. وبالتالي كانت دولهم وأنظمتهم غير خاضعة للتحولات المُستمرة لهذه المُجتمعات بشكلٍ دائم، بينما ظلت الأنظمة جامدة وصلبة، إلى أن غدت أنظمة ودول مُناقضة لمُجتمعاتها المحلية، وفي مرحلة أكثر كارثية، صارت دولاً وأنظمة مُعادية لهذه المُجتمعات.

من جهة أخرى، فأن الأُمم ضمن دولنا لا تتشكل حينما لا تكون الدولة مُمثلة للشعب الذي من المُفترض أن الدولة انبثقت عنه. فالكيانات السياسية التي تشكلت في منطقتنا قامت على مُجتمعات مُركبة من قوميات وطوائف ومذاهب وجهويات عدة، حيث من المفترض أن تسعى هذه الدول من خلال تمثيلها المتوازن لجميع الحساسيات بشكلٍ متوازن، تسعى لأن تحول ذلك التركيب وتلك الفروق في هويات المُجتمعات المحلية إلى مُجرد تمايزات ثقافية محلية فحسب، بينما تُجمع على الولاء والانتماء لأُممها الوطنية. فالمواطنون في سوريا والعراق ولُبنان لن يستمروا في رؤية أنفسهم كعرب وأكراد وسُنة وشيعة وموارنة في الفضاء العام، بل كسوريين وعراقيين ولبنانيين مُمثلين في دولهم وهويتها ومُمثلين لها، بينما متمايزون فيما بينهم في الحياة الخاصة الاجتماعية والثقافية المحلية.

بناء على ذلك الديالكتيك، فأن المُفكر فالح عبد الجبار كان يجزم بأن الفكرة التي تقول بأن الأمة مُنتج مُنجز فكرة تدميرية لأي تطور طبيعي في الحياة السياسية والثقافية في مُجتمعاتنا، فعبد الجبار كان مولهاً بعبارة أرنست رينان الأسيرة التي تقول “الأمة استفتاء دائم”، بمعنى ما أن الأمة كهوية وفضاء ثقافي ورمزي هو كائن مهول لكنه يجب أن يكون خاضعاً للتحولات وحركة التاريخ والحياة، مُرتبط بتحولاتها وتطورها الداخلي، كذلك بما يتحول في مُحيط هذه الأمة وفي كامل العالم، الذي يقبل كُل شيء خلا الثبات.

لأجل ذلك بالضبط، فأن الدولة بأجهزتها وأدوارها ورمزيتها، وأولاً بتمثيلها لمُجتمعاتها، هي من تنقل مُجتمعاتها لتغدو أُمة مطابقة لحدود كياناها الجُغرافية والمُجتمعي والتاريخي، تُغير من طبيعة ولاء الأهلي والثقافي للسُكان، لأن يتخيلوا أنفسهم وهويتهم وتعبيرهم الأعلى في الدولة. ولأجل ذلك الخلق والارتباط الواجب بين الدولة والأمة، فأن كُل منهُما يتحول ويتطور حسب الآخر، وبذا يُحافظ كلاهما على حيويته الداخلية وتوافقه مع حركة التاريخ والعالم.

بالرُغم من كُل الملاحظات التي كان فالح عبد الجبار يسوقها على الأنظمة الملكية، وذلك كتوافقٍ مع مرجعيته الفكرية كيساري ماركسي مدني، يرى نفسه وجدانياً أقرب للأنظمة الجمهورية التي تستقي شرعيتها من الشعب، إلا أنه بقي حتى آخر لحظات حياته يعتبر بأن الأنظمة الملكية كانت الأكثر قُدرة وقابلية لأن تُمثل وتختلق الأمة، بالذات حينما يكون على رأسها شخص مثل ملك العراق فيصل الأول، الذي كان واعياً فكرياً ووجدانياً لتفاصيل أدوار الدولة في تشكيل الأمم. كان عبد الجبار يعتبر بأن أنظمتنا الجمهورية كانت شكلية ورثّة، لا تسعى لأن تستمد سُلطة وشرعيتها من مُجتمعاتها ولا تُمثلها، بل من سُلطة العُنف والإكراه والخطابية الجوفاء.

رحل فالح عبد الجبار وفي حلقه علقم أدوار دولته، العراق، التي تسعى لأن تشتت وتفكك المُجتمع العراقي لعشرات الشعوب والأمم والجماعات الرثة والمُستعدة لأن تدخل في حروبٍ أهلية فيما بينها، رحل فالح عبد الجبار وليس في العراق مكانٌ مُناسبٌ لأن يرتاح به جسدهُ المُتعب وروحهُ الحزينة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...