المتحف اليهودي في برلين.. في قلب “حديقة المنفى”

كنت أعتقد دائماً أن المبنى، أي مبنى، يجب أن يروي قصة، لا أن يكون مجرد بناء. النوافذ والمساحات والمعروضات يجب أن تكون مساراً، رحلة، أن تروي قصة ما. يقول دانيال ليبسكند، مصمم مبنى المتحف اليهودي في برلين، مفسراً كيف أشاد بنايته تلك في قلب العاصمة الألمانية من أجل أن يروي حكاية يصفها بالمعقدة، هي قصة اليهود في ألمانيا، “تدميرهم بتلك الطريقة المروعة التي رأيناها في المحرقة”. يقول “لا نستطيع فعل ذلك بالكلمات، بل بالمواد والنسب والصوتيات والإحساس بالفضاء وشكل الأرضية التي يخرج منها الضوء. لقد استخدمتُ الوسائل المعمارية لسرد قصة”. 

تجربة التجول في هذا المتحف لا تشبهها تجربة أخرى، فهي تجربة عيش لا فرجة، لا يجد المرء نفسه مجرد عابر أمام أعمال فنية، أساساً لا أعمال فنية تذكر في هذا المكان. لقد أراد المعماري أن يكون الزائر مشاركاً في بناء المكان: “كان هذا سبب فكرتي بأن يبقى البناء غير مكتمل”، مفترضاً أن الناس سيكملون البناء على طريقتهم. يقول ليبسكند “إنه مفتوح جداً. هو مبنى غير تعليمي، لا يحتوي على بنية تعليمية، مفتوح جداً للتفسيرات المختلفة”. 

للبناء شكل متكسّر “zig-zag“، كتلة ضخمة من الإسمنت العاري بجدران عالية. تدخل من دون أن تعرف بالضبط الطريق الذي يجب أن تسلكه أولاً، فأنت أمام محاور ثلاثة تتقاطع وتفترق، ولن ينجدك سوى الدليل الصوتي، فهو هنا نص مواز رائع، ليس مجرد دليل، بل رفيق طريق يقدّر كيف تشعر في هذه اللحظة: “هل أنت واقف الآن؟ هل تشعر ربما بغثيان كما لو كنت على متن سفينة؟ هنا، في الطابق السفليّ يختلف كل شيء عما اعتدنا عليه. الأرضية، الجدران، كل شيء يبدو مائلاً. مسارات ثلاثة (محاور) تمثل المصائر المختلفة لليهود في ظل الحكم النازي: محور الهولوكوست، ومحور المنفى، ثم محور الاستمرارية”.  

هنا يحدثك الصوت كيف استوحى المعماري تصميم المتحف من التاريخ الألماني اليهودي، “حيث يجسد المبنى الانكسارات. تتقاطع المحاور عدة مرات، وتلتقي ببعضها لتشكل زوايا وحواف، ذلك يعبر عن التشققات العميقة في المجتمع اليهودي”.

المعماري لم يصمم المتحف اعتماداً على البحث في المكتبات وفي الأرشيف، على ما يقول، فوالداه ناجيان من المحرقة، والتجربة تركت أثرها على تصاميمه عموماً. هذا يتّسق مع ما يقدمه المتحف، فحين تغيب “السير الذاتية لضحايا القتل، لأنه لم يبق أحد حياً ليتحدث عنهم” ستصبح أقل الأشياء وأكثرها عادية حكاية جديرة بالعرض. هنا ستجد رسائل وصور ومقتنيات عائلية ومنزلية. فرشاة شعر بالية، ماكينة ماركة سينجر،.. أشياء من الحياة اليومية التي سلبت من أناس قتلوا في معسكرات الاعتقال، وقد جمع المتحف الآلاف منها.  لقد عُفّشت إذاً (سُرقت) ممتلكات اليهود، فبات لأقل الأشياء الناجية معنى كبيراً (تماماً كمفاتيح البيوت التي وضعها الفلسطينيون في أعناقهم إثر نكبتهم وتهجيرهم).

هنا يستنجد الدليل الصوتي بمدير أرشيف المتحف فيقول “لدينا أشياء تركت لدى الجيران المسيحيين على أمل العودة واستردادها، نسميها “الأشياء اليتيمة”. وهي تحمل قيمة عاطفية عالية، يمثل بعضها التذكارات الأخيرة التي بقيت لعائلات من أقاربهم الذين قتلوا، ومن المدهش أنهم تخلوا عنها للمتحف، فبذلك لا تبقى في ذاكرة الأقارب بل في ذاكرة زوار المتحف”. 

بعض التذكارات التي أشار إليها مدير الأرشيف كان رسائل وداع كتبت قبل الترحيل إلى معسكرات الاعتقال، سترى إلى بعضها في واجهات المتحف، فيما تستمع إلى أصوات متداخلة لرسائل متعددة في وقت واحد. تنتهي بعبارة “تحية إلى الجميع. لا تنسونا”. (كلاجئ فلسطيني عادت إليّ ذكريات برنامج إذاعي قديم، بُعيد النكبة، كان يتضمن رسائل اللاجئين إلى ذويهم الذين ما عادوا يعرفون عنهم شيئاً. كان الراديو وسيلتهم الوحيدة).

الشريط الصوتي، إن جاز التعبير هنا، ليس مترجماً وحسب، فمن دونه ستكون تجربة التجول في المتحف ناقصة، إنه فعلاً أقرب إلى تعليق صوتي في فيلم، صدف أنك عالق فيه، في قلبه، لا مجرد متفرج. 

على جدار قريب ستستعيد إحدى الواجهات لافتات من هنا وهناك، من هذه المدينة أو تلك، غير مرحبة بوجود اليهود، واحدة تقول صراحة إنهم غير مرغوب بهم، وأخرى تعلن أن الدخول على مسؤوليتهم الخاصة، العبارة الأقرب إلى التهديد. يستحيل أن يقف المرء أمام هذه اللافتات من دون أن يتذكر لافتات مماثلة رفعت في وجه اللاجئين السوريين في لبنان، البلد الجار والشقيق لسوريا. 

حديقة المنفى

في آخر أحد الممرات سيهمس لك الصوت “إن كان الطقس يسمح اذهبْ إلى الخارج، حيث توجد حديقة المنفى”، وعلى ما يبدو فإن تلك الحديقة  صممت خصوصاً لطقس سيء، هكذا يكون المنفى. 

“المنفى يعني مغادرة الوطن قسراً، تحت الخطر أو الضغط”، يقول الدليل، ويضيف “المنفى يعني النجاة والأمل، كما يعني فقدان الأمان في الغربة. ما الذي ينتظركم في البلد الجديد؟ عمل جديد؟ أصدقاء جدد؟ هل سأعود يوماً؟”.

لقد واجهتُ من قبل تعبير “حديقة المنفى” في قصيدة لشاعر فلسطين الراحل محمود درويش، لكن هنا سأجد الصورة الشعرية مجسدة في بناء إسمنتي مدوّخ. إنها حقاً تجربة استثنائية. “تشعر أن الأرض غير مستوية، وأن المرء يتأرجح أثناء المشي، وعندما يصعد بخطوة ما تجذبه إلى أسفل وتعيده إلى الخلف، حيث أتى. كل الخطوط والمساحات مائلة، حتى حجارة الرصْف. وفي الأعلى شجر زيتون يبدو بعيد المنال، ومع ذلك يشكل سقف حماية من الأغصان والأوراق. أراد ليبسكيند أن يجعل هذا التناقض والصراع بين النجاة وفقدان الأمان ملموساً مكانياً في حديقة المنفى”.

كان الصوت يصف الحديقة، فيما أستند بكلتا يديّ على الأعمدة الإسمنتية، أمشي على أرض قلقة في المسافة الضيقة بين الأعمدة. فيما الطقس البارد يحثني على الخلاص سريعاً من غابة الإسمنت تلك. 

كلاجئ مضاعف (فلسطيني وسوري) لم أجد وصفاً أدق لتجربة اللجوء في هذه البلاد، ولا تجسيداً أجمل لعبارة “حديقة المنفى”، لكن لن يطول بنا المطاف حتى نجد أنفسنا في مواجهة ما كان متوقعاً. لقد تدخّل مصمم المبنى في هذه اللحظة ليقول “لهذه الحديقة رمزية، فأبعادها 7*7 وهو رقم توراتي محصلته تسعة وأربعون عموداً. العمود المركزي يرمز إلى أرض إسرائيل، وترمز الأعمدة الـ 48 إلى أرض برلين وقيام دولة إسرائيل عام 48”!

في الواقع لم يكن ذلك مفاجئاً تماماً، نعرف أن ما سميّ بـ “صناعة الهولوكوست*”، هو أمر آخر غير الهولوكوست. لقد حاولت إسرائيل على الدوام استثمار الهولوكوست، استغلال المعاناة اليهودية، وكنا نحن الفلسطينيين ضحاياها، لكن ضحايا المحرقة ليسوا مسؤولين عن تلك الصناعة، ولا يحسب المرء، وهو هنا وجهاً لوجه أمام ما تبقى من تذكارات الضحايا، أن هناك اشتراطات مسبقة للتعاطف مع أولئك الذين قتلوا في معسكرات الاعتقال وغرف الغاز وغيرها. 

وهنا أيضاً، في هذا المتحف، حشرت الصناعة (صناعة الهولوكوست) أنفها. إنه قبل كل شيء إفساد لذكرى الضحايا، ومن المؤذي أن يجري الدفع إلى الاستنتاج بأن مغتصبي فلسطين ومهجِّري الملايين من سكانها هم أحفاد أولئك الضحايا. 

حثثت خطاي سريعاً لأعود الى مساحات المتحف الفارغة، تلك التي تعمّد المعماري تركها فارغة. حيث يقول إن الفراغات تمثل حضور الغائب: “لكل متحف مركز،  ومركز هذا المتحف هو الغياب. غياب غير قابل للاختزال، غياب الناس، غياب نشأ نتيجة لإفناء ستة ملايين يهودي”.

هنا ممرّ حمل اسم “فراغ الذاكرة”، يعجّ بآلاف الوجوه المعدنية الثقيلة التي ألقيت أرضاً، سميت بأوراق الشجر المتساقطة. هو عمل لفنان إسرائيلي (ميناشيه كادشمان) اقتص تلك الوجوه من الحديد. يتركك المتحف تمر فوق الوجوه. كلها عيون واسعة وأفواه مشدوهة. ساكنة أول الأمر، ومع أدنى لمسة أو حركة فوقها سيمتلئ المكان بصليل المعدن. حتى في أعمق لحظات الصمت، لن يتركك الدليل الصوتي من دون أن يملأ رأسك بضجيج المعدن.

لا يريد الفنان أن يوجه تهمة لأحد، يريد فقط أن يجسد المفقودَ أمام العيان. يختم رفيق الطريق. لكنه لا يتركك تماماً لحال سبيلك. ستبقى الأسئلة، لماذا سمح العالم بمحارق أخرى في أرجاء الأرض منذ ذلك الوقت. ولا جواب، فقط أرض مائلة، وصليل معدن.

– – – –

*”صناعة الهولوكوست : تأملات في استغلال المعاناة اليهودية”، كتاب من 

تأليف نورمان فنكلستاين، ابن لناجين من المحرقة. صدر في العام ٢٠٠١

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...