تُركيا تدخل عصر “الأبد”

ما الذي يعنيه أن يحكُم القضاء التُركي بالسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة على ستة من أرفع المثقفين الأتراك، وعلى رأسهم أحمد آلتان، الكاتب والباحث والروائي التُركي الشهير، بحجة تأييدهم لمحاولة الانقلاب التي جرت أواسط شهر تموز من العام 2016. أي خللٍ عميق في منظومة الحياة العامة في هذا البلد، حينما تتقصد السُلطة بُكل أدواتها، الناعمة والشرسة في الآن عينه، الطبقة الأكثر هشاشة في المُجتمع، المثقفين، بكُل هذا الإصرار والثقة.

المقال المقروء:

– – – –

صحيح أنه لم يكن اعتقال المثقفين، وحتى مُحاكمتهم، شيئاً غريباً عن سلوكيات السُلطة التُركية الراهنة، لكن أن يُحكموا بأشد عقوبة ينص عليها القانون التُركي، السجن المؤبد مدى الحياة مع الأعمال الشاقة. أن يتساووا مع أفظع المُجرمين الذين ارتكبوا أعمال عُنفٍ مُريعة مع سابق تخطيط.  في ذلك دلالة على التحول العميق الذي يصيب الكيان السياسي التُركي وسُلطته الحاكمة، كقوة حُكم استبدادية تصير مُطلقة بالتقادم.

أن الحُكم على آلتان، في أكثر من بُعدٍ منه، هو حُكم على كُل ما يُمثله آلتان من قيم وقضايا ما تزال محل تداولٍ في الشأن العام التُركي، هو حُكم على هذه القضايا بالمؤبد مع الأعمال الشاقة.

فآلتان قضى الجزء الأوسع من حياته يُحارب سطوة جُنرالات الجيش وسعيهم الحثيث لاستحصال مكانة وحقوق امتيازية ضمن الدولة التُركية، تتجاوز القانون والدستور والأعراف، لأنهم أساساً كانوا يعتبرون أنفسهم أباء ومُلاكاً للدولة التُركية، التي يجب أن تُصاغ ويُعاد بناءها على الدوام لتكون مناسبة لمصالحهم وتطلعاتهم. عُرف عن آلتان شجاعته الاستثنائية في مواجهة المؤسسة العسكرية هذه، ككاتب وروائي وناقد معروف مُنذ أواسط الثمانينات، إلى أن وصل لذروة “نضاله” عبر ترأسه لجريدة “طرف”، التي نشرت وثائق سرية عن الجيش التُركي.

اليوم تنقلب الآلية، يسعى أردوغان لأن يكون “أباً” ومالكاً جديداً للدولة التركية، يُحيط به جيش من الموالين والمستفيدين، الذين يسعون لأن يكونوا فوق القانون والدستور والقيم التأسيسية للدولة الحديثة. هؤلاء الذين يستميتون لتكريس سُلطتهم الدائمة الأبدية، عبر محق مُعارضيهم بأحكامٍ مؤبدة، ليكونوا “عبرة” لغيرهم.

  كذلك فأن الحُكم على آلتان يعني أنهاء أية إمكانية لبناء تُركية بديلة، ديمقراطية حقة، غير قومية ومتساوية المسافة من مواطنيها وثقافاتهم ولُغاتهم وخياراتهم.

فآلتان الذي أنتج في أواسط التسعينات أكثر الإبداعات الفكرية الثقافية الصادمة للوعي الجمعي التُركي القومي، تحت عنوان “أتاكُرد”. والتي طرح فيها سرديات مُتخيلة بدلية عما ارتكزت عليه الذاكرة الجمعية التُركية. طالب آلتان الأتراك أن يتخيلوا فيما لو كان مُصطفى كمال “أتاتورك” شخصاً كُردياً “أتاكُرد” من سُكان الإمبراطورية العُثمانية، وأن هذا الكُردي قاد النضال الكُردي التُركي المُشترك في وجه الغزاة في الحرب العالمية الأولى، وقام بفرض الهوية القومية الكُردية على كامل تُركيا الراهنة، وفرض تغيير  أسماء المُدن والبلدات والقُرى التُركية، ومنع اللُغة التُركية من التداول، وفوق ذلك اعتبر مُدن اسطنبول وأنقرة وأزمير مُدنٍ كُردية، ومحق التطلعات التُركية بالمساواة مع الكُرد، وأجبر الأطفال الأتراك بدراسة التاريخ القومي الكُردي الافتخار به.

أحمد آلتان ما أنفك يدافع عن مسألة أكراد تُركيا بتلك الروح، دافع عنها وكأنها مسألته الشخصية والقومية. كذلك كان من المثقفين النادرين الذين حرضوا على اعتبار الكيان التُركي عليلاً طالما لم يتمكن من تفكيك مسألة رُبع سُكانه.

 لا يقل باقي الكُتاب والصحفيين الذين حكمت عليهم المحكمة التُركية عن أحمد آلتان، سواء في مُنتجهم الثقافي أو مواقفهم الديمقراطية والأخلاقية من الشأن العام التُركي، وقد كانوا إلى جانب غيرهم من المُثقفين حُراس “الضمير العام” في تلك البلاد، حتى لا تغرق في مستنقع الكراهية والعُنف.

 قبل قُرابة عشرة سنوات، كتب أحمد آلتان مقالة وجدانية مؤثرة عن ضحايا المجازر الأرمنية التي اقترفتها السُلطات العُثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، وقتها رفع حزب “الاتحاد العظيم” القومي المُتطرف دعوة ضده، واُتهم آلتان بموجب المادة 301 من قانون العقوبات، بدعوى “تشويه سُمعة الأتراك”. وقتها قال آلتان ما معناه أنو تكون سُمعة الأتراك سيئة وحقيقة جيدة، أفضل بكثير من أن يكون العكس.

بأكثر من معنى، ليس أحمد آلتان ورفاقه سُجناء في تُركيا، بل العكس تماماً هو الصحيح.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...