إسرائيل في بلادنا: زنانات وأفلام وممانعة

 مطلع الشهر الجاري، قوبل الإعلان عن عرض فيلم “قضية رقم 23” للبناني زياد الدويري، في إحدى القاعات بوسط القاهرة، بدعوات للمقاطعة والمنع، بسبب اتهامات سابقة لمخرج الفيلم بالتطبيع مع إسرائيل. لكن وقبل أن تهدأ تلك الضجة، نشرت جريدة نيويورك تايمز تقريراً يكشف عن تنفيذ إسرائيل لـ 100 غارة جوية ضد جهاديين في سيناء على مدى العامين الماضيين. رفض المسؤولون الإسرائيليون التعليق على التقرير، فيما أصدرت الحكومة المصرية نفياً رسمياً، لكن سرعان ما ظهر المزيد من التقارير في نيويورك تايمز وهآرتس الإسرائيلية، عن الإخفاق المصري في سيناء، وعن تنفيذ العمليات الإسرائيلية هناك بتنسيق مع المصريين، وبطلب منهم أيضاً.

لم يكن أيّاً من هذا مفاجئاً، ففي قطاعات بعينها من سيناء، أصبح الأهالي معتادين على تحويم “الزنانات” (طائرات بدون طيار) الإسرائيلية، كما اعتادوا هجمات الدولة الإسلامية، والكمائن الأمنية، ومعها انقطاع الخدمات، تحت حالة الحصار الطويل. ولم يكن التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين والمستمر لعقود، أمراً خافياً على أحد، وما كان من الصعب التكهن أيضاً بتصعيده بعد تعرض الداخل الإسرائيلي لهجمات صاروخية متتابعة من سيناء.

إلا أن التقارير الأخيرة حملت دلالات على تحول فارق في العلاقات المصرية الإسرائيلية. فالأجهزة المصرية في الماضي، وحتى وقت قريب، كانت تقوم بدور الوساطة أو الضغط على الفلسطينيين، وأحيانا كثيرة إحكام الحصار عليهم لصالح الإسرائيليين، وذلك في سبيل الوفاء بدورها في ترتيبات “ضمان أمن إسرائيل”. أما اليوم، والسلطات المصرية هي التي  تحتاج إلى مساعدة إسرائيلية في الحرب ضد “ولاية سيناء”، فإنه لم يكن مستغرباً ما تناقلته تقارير إعلامية عن سخرية الحكومة الإسرائيلية من مقترحات إدارة أوباما لعملية سلام تقوم فيها كل من مصر والأردن بضمان الأمن الإسرائيلي: ” إذا لم تتمكن مصر من السيطرة على الأراضي داخل حدودها، فإنها ليست في وضع يؤهلها لضمان أمن إسرائيل”.

من المحتمل بالطبع أن تكون التقارير الإعلامية قد بالغت في حجم الدور الإسرائيلي في سيناء ومداه، وأن الإسرائيليين بدورهم قد تعمدوا التضخيم من الأمر في مفاوضاتهم مع الأمريكيين. لكن مع هذا، فإنه من المؤكد أن وضع إسرائيل في المنطقة قد شهد، في الأعوام القليلة الماضية، واحدة من أكثر تحولاته جذرية. فمصر التي كانت ضامناً لأمن إسرائيل، ولو بشكل شرفي، أصبح لها أن تعتمد على إسرائيل، ولو في شكل مساهمات فنية، للسيطرة على أراضيها. وفي الصراعات الإقليمية الأوسع، فإن إسرائيل التي كانت قد أرغمتالجميع على قبولها على مضض، أو تجاهلها في أفضل حال، في الماضي، وبعد أن أصبحت طرفاً رئيسياً في توازنات المنطقة لاحقاً، يتوسلها اليوم الحلف الخليجي المعادي لإيران، للتدخل عسكرياً لصالحه، ولو حتى في لبنان، ويجد الروس والأتراك أنفسهم مضطرين للتنسيق معها بخصوص تحركاتهم في سوريا.

ارتبط هذا التحول بالطبع بموجة الانتفاضات العربية، أو بالأحرى انتكاساتها. ففي مصر، خرج المتظاهرون لحصار السفارة الإسرائيلية مرة بعد مرة في خضم الفترة الثورية، حتى أرغم السفير الإسرائيلي على مغادرة البلاد، في سبتمبر عام 2011، عقب اقتحام المتظاهرين للسفارة. لكن وبعد ستة أعوام من هذا، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تخفي حقيقة أن المسؤولين في تل أبيب، يشيرون إلي الرئيس المصري بأنه “السيسي خاصتنا”. وفي سوريا وبعد أن انتهى قمع النظام الوحشي للمظاهرات بالثورة السورية إلي حرب إقليمية بالوكالة، فإنه لم يعد من المفاجئ، وإن كان محزناً، أن نرى فريقاً من السوريين يبتهج للغارات الإسرائيلية على المواقع العسكرية للنظام، الذي تسقط براميله القاتلة على رؤوسهم ليل نهار.

هكذا، وبينما يحتفل مؤيدو النظام السوري مع غيرهم من “الممانعين”، بإسقاط المقاتلة الإسرائيلية، ويتجدد الجدل حول ضرورة مقاطعة الدار التي عرضت فيلم “دويري” من عدمه في القاهرة، فإن الزنانات والمقاتلات الإسرائيلية لاتزال تحوم فوق سيناء وفي الأجواء السورية، ويتابع من يحركها عن بعد، في تروٍ، المنطقة وهي تتحلل، بينما  يتوسل إليه طرف من هنا وطرف من هناك، أن يتدخل لصالحهم، علانية، لا سراً كما الماضي.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...