إلى السيد الرئيس.. مع حبي وأشواقي المحمضة

عزيزي رئيس النظام السوري، النظام الممانع المقاوم الذي أحب وأعشق..

ترددت كثيراً قبل أن أكتب لكم هذه الرسالة، تريثت وتمهلت وراقبت مجريات الأمور متأملاً ان تنظروا بعين الرحمة والشفقة لأمري، كيف لا وأنا ابن عشيرة تعتبر من أشد المؤيدين لكم، والمستميتين في الولاء لحكمكم الرشيد الذي منحنا عصراً ذهبياً جعلنا من أكبر سادات الساحل، والذي تنافس أبناؤه في طلب ودّنا ورضانا، فيا لحظ من تدعموه ويا لبؤس من تتخلون عنه أيضاً.

لقد  تربعنا لعدة عقود على عرش الأسر المتحكمة بمصير فلاحي الساحل الموالين لكم، وعند اندلاع الأزمة كنّا من أولى الكتائب التي تجندت لصد المؤامرة الكونية المحاكة ضدكم، وبذلنا الغالي والرخيص لتبقى قائماً على حكم هذه البلاد. لكنني لم ولن أقبل الاهانة، ولن أرضى المهانة التي قوبلنا بها من قبلكم على مدى سنوات “الأزمة”، إهانة  توجتموها برمي أفراد أسرتي على قارعة الطريق ليدوس العامة على أجسادنا، ويعتصروا رحيق أرواحنا دون ايلاء أي اعتبار لكرامتنا كأعرق عائلات الساحل عدداً وأقدمية.

لن أطيل الحديث عن الاتهامات الباطلة الموجهة لنا من قبل سكان الريف الساحلي، هم يقولون دائما إننا “أُحضرنا كغرباء وغُرسنا غرساً فيما بينهم لنكون بديلاً عن تجار التبغ بعد أن احتكرته مؤسسات النظام وحظرت بيعه وشراءه إلا عن طريقها وبأسعار بخسة”، هل تذكر يا سيادة الرئيس عندما عزف كثير من المزارعين عن زراعة التبغ لا بل واتجه بعضهم لحرق محاصيلهم انتقاماً منكم؟؟ طبعاً لا تذكرون لأنكم كنتم خارج البلاد ولا تعرفون شيئاً عن هذه الحقبة، لكن وقتها سارع نظامكم بطرح أسرتي كبديل يوفر لهم أسعاراً مقبولة، وكانت لنا سوق وفيرة وطلب كبير في السوق.

 التسعينات كانت عصرنا الذهبي، ساعدنا الكثير من القرويين بإكساء منازلهم وتعليم أبنائهم وارتداء نسائهم لقطع من الصيغة لم يحلمن بها، لكنهم غدارون ماكرون، لقد نسوا كل شيء يا سيادة الرئيس، هم ليسوا مثلك في العطف والحنان وحفظ المعروف، هم أسوأ منك بكثير.

الكارثة أتت مع بداية حكمكم عندما تقربتم من أردوغان يا سيادة الرئيس، هل تذكرون أيام العسل التي عشتموها معه؟؟؟ كنّا كأسرة أول ضحايا هذا التقارب، لقد أدخلتنا في منافسة مع فخذ كبير من عشيرتنا في تركيا، فخذ لديه من الدلال والتربية الغالية ما نحلم بربعه هنا في سوريا. قلت لنا وقتها يا سيادة الرئيس أنتم أسرة عريقة، أدخلوا السوق معهم بإذن الله آمنين، والبقاء دائماً للأقوى، لكننا لم نكن آمنين ولا أقوياء يا سيادة الرئيس، غرقنا وقتها في منافسة خاسرة نظراً لضعف إمكاناتنا وقلة حيلتنا، وأدرت لنا ظهرك لتتبادل القبل مع عشيقك الجديد الذي كان أول المخوزقين لك عام 2011.

ما يعزينا أنك عدت إلينا خلال سنوات الأزمة، فمن لا يملك قديماً لا جديد له، ناديتنا فلبينا النداء، كنا ممثلين عنك في التعازي والمآتم التي أقيمت بشكل هستيري هنا وهناك للمقاتلين في سبيلك، حضرنا دوماً كرسائل طمأنة منك بأنك تساند خزانك البشري بواسطتنا، أرسلت الآلاف منا لأسر الضحايا الذين قابلونا بالرفض والتهكم، حتى أن كثيراً من الأبواب صفعت في وجهنا لنسمع شتائمنا بآذاننا ونصمت خانعين، فالوطن يمر بمرحلة دقيقة ولا مكان للعتاب الآن وسيأتي وقت الحساب بعد تحقيق النصر، إن بقي منا أحد على كل حال.

عام 2015 كنا سعداء يا سيادة الرئيس عندما طلبنا حلفاؤك الروس لإقامة شراكة معنا، كدنا نرقص طرباً عند حضورنا الاجتماع الاقتصادي المنعقد بينكم وبين الجانب الروسي حولنا، قال لي ابني وقتها وأخيراً يا أبت سنصبح عالميين، سننطلق خارج أسوار هذه البلاد الغارقة في الحروب حالنا كحال أقراننا في هذا الإقليم العفن، لكننا صدمنا برد روسي قاس بأننا لا نملك المواصفات اللازمة لنكون ضمن السوق العالمية. أذكر تماماً كيف سافرنا على متن باخرة تجارية إلى الموانئ الروسية ورفضوا إدخالنا أصلاً إلى أراضيهم، وعدنا أدراجنا خائبين لعدم تحقيقنا المواصفات المتفق عليها كما صرح الأشقاء الروس، لقد صُدم حلفاؤكم من فسادكم يا سيادة الرئيس، وهاهم عادوا مرة اخرى للاستعانة بالتجار الأتراك الذين تآمروا على حكمكم، لا يهم، فالسياسة فن الممكن كما تقولون لنا دائماً ونحن نصدقكم أبداً، فأنتم لا تكذبون يا سيادة الرئيس، لا تكذبون إلا علينا.

كل هذا ليس بشيء يذكر أمام ما حصل العام الماضي من قبل أبناء جلدتكم من مزارعي الريف الساحلي، لقد داسوا بأقدامهم علينا وأوسعونا ضرباً في ساحات القرى انتقاماً لعدم اقتناعكم  بتسويق محاصيلهم في السوق، تلفت المحاصيل وتجاهلتها الحكومة تماماً كأنها غير موجودة، أذكر ذلك المزارع الكهل أبو حيدر الذي صرخ بأعلى صوته: هل كتب على ابن الساحل أن يقدم أبناءه ومحاصيله فداء للرئيس، في الوقت الذي لا يقدم له الرئيس شيئاً في المقابل؟؟؟ صحيح أن أبو حيدر اختفى منذ ذلك الوقت، لكننا مؤمنون أنه يستحق هذا العقاب، كيف يتطاول على سيادتك ويتهمك باستغلاله لتبقى على الكرسي؟؟ محال أن تفعل ذلك، نحن نؤمن بذلك كن على ثقة.

هذا العام، بلغ السيل الزبى يا سيادة الرئيس، وصلت النار إلى ذرات البارود وحصل الانفجار، أن ترصونا على ظهور الشاحنات وترموا بنا دون رحمة فوق الأراضي هنا وهناك أمر لن نقبل به أبداً، أدخلتمونا أحياء حاصرتموها بانفسكم لأنها قررت عصيانكم، إن كنت تريد مصالحة الشعب لا مانع لدي، لكن ليس بشكل مجاني، لا بل  وعلى حسابنا.

 المزارعون الذين اشتريتم محاصيلهم بأسعار بخسة لم يبيعوا سوى نصف ما أنتجوا يا سيادة الرئيس، وبعضهم استغنى عن خدمات أسرتي تماماً وبدؤوا استبدالي بأسرة أخرى غريبة عن هذه الأرض، سمعت أنكم  تسوقون لها كما فعلتم معنا  قبل عشرات السنين، أعرف ان الجزاء من جنس العمل، لكن هل هذا جزاء استحقه يا سيادة الرئيس؟؟؟

 لن اطيل عليك اكثر من ذلك، انا أعلم انك ستقرأ كلماتي هذه وأنت تمسك البارودة بيدك لتمارس حق الرد الذي طالما احتفظت به ضد  أعداء الله الإسرائيليين، لكن أعتقد أنك ستجد وقتا لقراءة كلماتي أثناء استراحتك، وستعمل وسعك لتجد حلاً لمشكلتي، فتأزم الوضع يفوق تصورك.

 أسرع أرجوك، وإلا سأصبح عملة نادرة لن يراها السوريون مسقبلاً الا بدفع مال وفير لا أظنهم يملكونه.

أخوكم المخلص دائماً

بردقان أبو صرة

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...