نيتشه يتمشى في شوارع بغداد

المقال المقروء:

– – – –

لنتخيل الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يتمشى هذه الأيام في شوارع العاصمة العراقية بغداد، يشاهد صور عشرات الآلاف من المُرشحين للانتخابات البرلمانية العراقية، من المُعممين ورجال الدين، أو من المدنيين الذي يترجون مكانة لهم بين هذه الأحزاب والتيارات الدينية!!. أي ذهول سيصيب الفيلسوف الذي بشر قبل قرن ونصف بنضوب طاقة الدين والخطابات الميتافيزيقية على تفسير العالم واستلهام المُجتمعات. فحسب ما كان يعتقد نيتشه في زمانه، ستتمكن المنظومات العقلانية والاكتشافات العلمية والمنتجات المعرفية الإنسانية من الانتصار على الخطابات والمخيلات الدينية، التي لا تقدم للبشر إلا سعادة مؤجلة إلى موعدٍ ليس في هذه الحياة، وتبني منظومة من العلاقات والأخلاق غير العادلة وغير الموضوعية، وتفاقم تعاسة البشر وسوء قدرتهم على تفسير أحوالهم وقدرتهم على مواجهتها.

كيف كان لنيتشه أن يفسر هذا الحال العراقي. إذ تتنافس في انتخاباته الحُرة الديمقراطية، والتي سوف ترسم مُستقبله وحياة سُكانه خلال السنوات العشرة القادمة، مئات الأحزاب والتيارات السياسية، لكن الجميع مُتيقنٌ بأن الأحزاب الدينية وحدها تملك الحظ لأن تستحصل أغلبية مُطلقة في البرلمان العراقي. فحزب الدعوة والتيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى وتيار الحكمة والحزب الإسلامي العراقي والاتحاد الإسلامي الكُردستاني والجماعة الإسلامية الكُردستانية وتحالف الحشد الشعبي ستستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع مقاعد البرلمان العراقي.

المُشكلة المُعقدة في الحالة العراقية أن هؤلاء الذين يُتوقع انتصارهم الكاسح في الانتخابات القادمة، أنما يتميزون بخاصيتين تزيدان من غرابة إصرار القواعد الاجتماعية العراقية الأوسع على انتخابهم والثقة المُتجددة بهم:

فهم أولاً ليسوا مُجرد قوى سياسية دينية مُحافظة، لها برامج اقتصادية وسياسية وثقافية ومُجتمعية مُختلفة، بل اشبه ما تكون بالعُصب الدينية التقليدية، التي تستنهض على الدوام العصبيات الدينية الطائفية المناطقية لتلك القواعد، دون برامج خدمية أو سياسية أو اقتصادية. بمعنى أنها تستحوذ على ثقة وتوكيل القواعد الاجتماعية في قضية لا يعانون منها بالأساس، التدين. فهذه القواعد التي تنتخب التيارات والأحزاب الدينية لا تُعاني من ضعفٍ أو اضطهادٍ أو حرمانٍ في حقوقها وممارساتها وتطلعاتها الدينية، بدليل أن أحزابها الدينية هذه تحكم، وأنها على علاقة وثيقة بهذه الأحزاب. بل تُعاني بالمقابل من تدهورٍ شديد في كافة مناح وأشكال حياتها العامة، والتي من المفترض أن تسعى القوى السياسية لأن تعرض خدماتها وطاقاتها لتغيير ما تعانيه المجتمعات.

الأمر الآخر كامنٌ في أن هذه الجماعات مُجربة أكثر من مرة، وتعاد الثقة بها من جديد. فمُنذ العام 2003 على أقل تقدير، تقود نُخب هذه الأحزاب الحياة العامة في العراق، ولم تجلب له إلا مزيجاً مريعاً من الفساد والعُنف والنهب العام وسوء الخدمات وتدهور الحياة العامة وفشل الإدارة والنكوص في كافة اشكال الحياة العامة. سوف تجدد القواعد الاجتماعية العراقية بحُرية مُطلقة الثقة بالطبقة التي تراها تنعم بخيرات العراق، على حسابها هي، ملايين الناخبين المحرومين من كافة أشكال الحياة الطبيعية والعادلة في بلدٍ مثل العراق.

ما الذي لمؤلف “ما وراء الخير والشر” أن يقوله في مثل هذا التموضع، أية عقلانية محضة يُمكن لها أن تفسر هذا “العبث” المُركب الذي يعيشه بلد به العشرات من المُدن التاريخية العميقة، وشهد موجتين من النهضة العمرانية والمعرفية والمُجتمعية في قرن واحد، في الربعين الثاني والثالث منه. كانت الأولى ناتجة عن تعمق تقاليد البرجوازية الديمقراطية المُستمدة من الاحتلال الإنكليزي، والثانية انعكاسية لارتفاع اسعار النفط بشكل استثنائي طوال عقد السبعينات. فيما كانت موجة التنمية والعقلنة الثالثة، التي كان من المتوقع أن تأتي بالديمقراطية والعقلانية عبر الاحتلال الأمريكي وتطبيق النموذجين الألماني والياباني، لكنها جميعاً تحطمت وخضعت لنفوذ رجال الدين وخطاباتهم وهيمنتهم الناعمة.

كان لنيتشه أن يتأمل شوارع بغداد، ويتذكر موجات النهضة العراقية الثلاث، ويراها مُجرد خيالات عبارة، لأنها لم تكن مبنية على إرادة سياسية وأيديولوجية مُحكمة منن قِبل نُخب حُكم البِلاد، التي كان يجب أن تُمتن أواصر العلاقة بين المعرفة العقلانية عبر تُرسيخها في مؤسسات التربية والقضاء والمجال العام، مع اقتصاد انتاجي ينبذ الكسل، ودائما عبر تقديس حتمي لحرية الناس في حياتهم الخاصة وخياراتهم العامة، حتى يبقوا محمين من اشكال الرهبة المُركبة، الرهبة التي تُخلخل منظومة العقل حيثما التقت معها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...