هيمنة داعش الثقافية: من طقوس الإعدام إلى دونية الأنثى

تمكن تنظيم “الدولة الإسلامية” – داعش، وبصورة مخططة، من إعادة تكوين أشكال النشاط الثقافي بالمعنى الواسع، إذ لا يقتصر الأمر فقط على منتجاته الثقافية بل ينسحب على أشكال الحياة اليوميّة وممارستها، وإعادة تعريف أدوار الخاضعين لسيطرته. وذلك ضمن تقسيمات تختلف عن الدول التقليدية، فهو يخلق أدواراً لا أدائيّة مرسومة مسبقاً بصورة تعكس طبيعة علاقات القوة واستراتيجياتها، هذه الأشكال والأدوار الثقافيّة مرسومة على أساس العلاقة بين مؤسسات العقاب والرقابة من جهة والنصوص والمرجعيات التي تؤسس لهذه الأدوار من جهة أخرى، وعلى أساس هذه العلاقة يمكن تفسير ظواهر العقاب العلني وصك العملة وأنظمة المحاسبة وغيرها.

يسخر التنظيم من أشكال الدولة الحديثة على صعيد روتين السلوك اليومي، إذ يعيد تقسيم الوقت، فالزمن الديني هو الذي يمتلك الأولويّة على الزمن الاقتصادي، إذ يستعيد التنظيم تقسيمات للوقت تناسب غياب ماكينة صناعية/رأسمالية مهيمنة، كما يجعل هذه التقسيمات مرتبطة بأنظمة العقاب، كون الدور الممارس علناً “العمل، المدرسة، إلخ.” خاضع لهيمنة “الدولة” وأوقاتها الدينيّة ومخالفته تعني مخالفة للإرادة الإلهيّة، التي تعتبر محرك سياسة التنظيم القائم على أساس ضبط أداء الجسد في الحياة الدنيا، ويتضح ذلك في إيقاف الحياة الاقتصادية والتعاملات في أوقات الصلوات الخمسة كما حدث في الرقّة حينما كانت خاضعة للتنظيم والعقاب العلنيّ للمفطرين في رمضان.

هيمنة داعش الثقافية: من طقوس الإعدام إلى دونية الأنثى

هذا التسييس لـ”حياة” الخاضعين للتنظيم يمتد إلى الغرباء أو الأعداء، أسرى كانوا أم غيرهم،  فالجسد “الحيّ” هو سياسي حكماً، وخاضع للتنظيم ورؤيته لطبيعة النظام الاجتماعيّ، أما أولئك اللذين لا ينتمون لهذه “السيادة” فهم استثناء من الشكل الطبيعي، ما يبيح تنفيذ العقاب فيه دون أيّ مسائلة، فمساحات سيادة التنظيم لا يخضع فيها “الآخر” للقيم والاعتبارت الإنسانيّة، وكأنهم “أجنّة” على وشك الإجهاض أو أشخاص مصابون بالموت السريري، حياتهم أو موتهم موضع جدل ولا حسم في ذلك.

من حالة الاستثناء السابقة يمكن تلمس ملمح آخر مرتبط بالبروباغندا التي يمارسها التنظيم والتي تتمثل بأنظمة العقاب، فهي استعراضيّة بل حتى إباحيّة، هي مصممة لتخلق رد فعلّ دقيق ومدروس، تقنيات المونتاج وصناعة الصور المتتالية ممنهجة لخلق الرعب وتفكيك شكل الجسد الإنساني الثقافي، إذ أن عملية الاستعراض واختلاف أساليب القتل تستند إلى وضعية الاستثناء أو اللاإنسان التي يعامل بها لآخر، فهو إباحي من الممكن تعريضه لمختلف أشكال الهيمنة والعنف الجسدي كونه يفقد مرجعيته الإنسانيّة والسياسية كمواطن، ويتحول إلى سلعة قابلة للنمذجة، فالحقوق “الإنسانيّة” للفرد إن لم يكن خاضعاً للتنظيم تتلاشى، بل حتى من الممكن القول أنه يفقد تعريفه كـ”إنساناً” حسب البيان العالمي لحقوق الإنسان أو حتى الأدبيات الإسلامية، ليتحول إلى لحم يُقولب ضمن أِشكال الغرق والحرق و قطع الرأس كونها وضعيات ونماذج إباحيّة للرعب وليست وضعيات عقاب.

بالعودة إلى التقسيمات الثقافية للأدوار، تنظيم الدولة يستفيد من دونية الأنثى التي يمكن استخراج مبرراتها من النصوص الإسلاميّة، فالتأنيث لا يقتصر فقط على الحالة الطبيعيّة، بل يتحول إلى وسيلة هيمنة، وتحويل لحم الأعداء إلى لحم مؤنث دونيّ صالح للإيلاج، وهذا ما نراه في وضعيات القتل الممارسة والذبح وقطع الرؤوس، حضور ذكوري قضيبي ينتهك لحم الآخر المؤنث، يخترق جسده ويستبيح سوائله، فالاختلاف الطبيعي يتحول إلى وسيلة هيمنة ثقافية وجسديّة، وهذا ما نراه في حوادث لا تطبق فقط على “الأعداء” بل يتجلى في حوادث الاغتصاب الجماعي سواء للإناث أو الذكور، فدور “المرأة” ليس بالضرورة أن يكون أدائياً، بل هو منصوص ومكتوب ويمكن أن يتم الخضوع له بالإكراه، الأسرى والأسيرات أيضاً سواء كانوا سبايا أم أجانب أجسادهم عرضة للانتهاك الذكوري سراً أو علناً، إذ لا سيادة لهذا الآخر العدو على جسده، هو عرضة دوماً للإيلاج، أشبه بلحم مخصص لخلق اللّذة بأنواعها.

 

لا يكتفي التنظيم بإعادة تشكيل “الآن وهنا” بل يعيد قراءة التاريخ وإنتاجه بما يتناسب مع سياسة الاستعراض، إذ يعيد إنتاج الذاكرة الرمزيّة التي يحويها المكان، أِشبه بعروض فنون الأداء، فطقوس الإعدام الجماعي التي شهدها مدرج تدمر مثلاً هي انتهاك للمتخيل المتحفي والرومانسي للمكان، وخصوصاً أنه فضاء عمومي، فالصيغة الاستعراضية للقتل المسرحيّ تعيد تكوين المكان أيديولوجياً، تزعزع القيم الرمزية التي يحويها، وتزيحه عن هذه المرجعيات، بالرغم من أن المدرج لم يعد تحت سيطرة التنظيم، لكن احتمالاً جديداً أصبح حاضراً، إمكانيّة لإعادة تكوين كل الفضاءات العامة ونقلها من دورها إلى آخر مرتبط بالموت، وهذا يتطابق مع سياسة النظام السوري، عبر تحويل الفضاءات العامة “مشافي ، مدارس، ملاعب” إلى مؤسسات للموت تخضع للسيادة الوحشية وأما من يشغلونها فهم مجرد احتمالات لموتى مستقبليين.

نبذة عن الكاتب

عمار المأمون

صحفي سوري مهتم بالشأن الثقافي في المنقطة العربيّة

Loading Facebook Comments ...