“بدون قيد”.. خطوة جريئة ولكن!

أواسط كانون الأول – ديسمبر الماضي، بدأ عرض مسلسل “بدون قيد” عبر منصات التواصل الاجتماعي، متجنباً أزمة التسويق التي تواجه الدراما السورية. لا يعتبر “بدون قيد” المسلسل الأول الذي لجأ لاستخدام منصة كاليوتيوب ولكنه الأول سوريّاً الذي يتيح الفرصة للمتابع للقيام باختيار طريقه لتسلسل أحداث المسلسل، وبهذا الخيار امتلك المسلسل عدة ميزات على صعيد الحبكة والسرد القصصي مستغلاً ما يتيحه العرض الرقمي.

يقدم العمل دراما واقعية سورية مكثفة، وهو نتاج تعاون سوري لبناني بين المؤلف رافي وهبة والكاتب اللبناني باسم بريش، وشارك في العمل ممثلون سوريين كرافي وهبة ونادين تحسين بك  وعبير الحريري، الى جانب فنانين شبان مثل ينال منصور ومحسن عباس.

يروي المسلسل عبر تسعين دقيقة ثلاث قصص منفصلة لثلاث شخصيات رئيسية، تجمعها المقدمة والخاتمة المشتركة، وخيار المشاهد هو بانتقاء أي من قصص الشخصيات الثلاث سيتابع بداية.

ويجري سرد القصص الثلاث ضمن تسع حلقات لكل قصة منها، وبمدة ثلاث دقائق تقريباً للحلقة، مما يشكل تسعة وعشرين حلقة تشبه بعددها حلقات الدراما السورية المعتادة ولكنها تختلف بالتكثيف والتركيز على موضوعة واحدة لكل مجموعة من الحلقات.

الشخصيات الثلاث تعيش اليوم في سوريا ضمن أسئلة كبرى يحملها أي انسان سوري وهي الانتماء والهوية والمبدأ.

وفيق الحكيم عقيد في الشرطة تنقلب حياته بعد صراع مع المبدأ، وريم سلامة مهندسة زراعية من درعا تم سرقة هويتها الشخصية تعيش في دوامة البحث عن الهوية، وكريم شاب يعمل كمدرس يلاحق مفهوم الانتماء الذي سلب منه في سوريا كما حال العديد من الشبان.

ثلاث شخصيات لا يعرف سبب لقائهم في حلقة البداية عند محطة وقود قرب الحدود السورية اللبنانية، وتمضي القصص الثلاث كفلاش باك يعود بكل شخصية إلى الماضي القريب لها.

العقيد وفيق يملك عائلة تتألف من زوجة وابن، لا يقبل التنازل عن مبادئه كما هو العرف في سوريا وقبول هويات مزورة، وينتهي به الحال هارباً بعد أن خسر، بسبب مبادئه، أسرته وحياته العائلية.

ريم سلامة فتاة من درعا تعيش تحت سلطة أبوية ليست غريبة في سوريا، تزوجت رجلا أكبر منها ومات تاركاً طفلة، تضيع هويتها ويموت والدها المسيطر على حياتها لتبدأ رحلة بحث عن نفسها. تلتقي العقيد وفيق في قسم الشرطة لمرتين بسبب موضوع الهوية الضائعة.

 كريم أستاذ معتقل بسبب صديق له يعمل في النشاط الإعلامي للثورة، لا علاقة له بما يحصل سوى أنه استقبل صديق طفولته، يعتقل ويعترف بمكان صديقه، يخرج و يلتقي عبير في ممر فرع الشرطة.

ينتهي مصير الشخصيات الثلاث بالهروب من سوريا، أو العودة لها لتتلاقى على الحدود اللبنانية. وفيق هارباً وريم عائدة وكريم بعد عمله مع فرق إغاثة في المناطق المحررة يهرب برفقة إحدى المقاتلات التي تبدو كردية الأصل. ورجل هارب من الجيش هو شقيق عبير المختفي والذي يُعتقد بأنه ميت وهو بات مقاتلاً في صفوف قوات المعارضة. تلتقي الشخصيات الثلاثة في محطة وقود عبر صدفة جمعت وركبت حبكات العمل مع بعضها البعض.

العمل ربط بين الشخصيات الثلاث والقصص المتباعدة بلعبة الصدفة التي جمعت بين عبير ووفيق في القسم وجمعت بين عبير وكريم في أروقة الفرع وجمعت بين كريم وأخ عبير المختفي.

الكثير من التفاصيل تم تغيبيها، فتكونت لدى المشاهد العديد من الاستفسارات، فكريم معتقل سياسي يلتقي مع فتاة أضاعت هويتها في ممر فرع أمني، ولا يعرف ماهية وجهة كريم وأين تواجد إذ يبدو المكان وكأنه الشمال السوري، فلماذا يهرب الى لبنان؟

المسلسل ابتعد عن الحشو الدرامي الذي نشهده في الدراما السورية واكتفى بالتركيز على الأساسيات دون حوارات متكلفة أو طويلة، كانت الحوارات مساعدة لتبين وجهة وتسلسل القصة لا أكثر، وهذا ما ميّز النص، إضافة للابتعاد عن الدراما العاطفية واستجرار عواطف المشاهد، والتي تستخدم بشكل مبتذل ومبالغ فيه اليوم في الدراما السورية، هذا على الرغم من احتوائه على جوانب قاسية درامياً من قتل وانتحار وغيرهما، فالقص أتاح للمشاهد هنا قدرة على القيام بمحاكمة عقلية للحدث والفعل، ولكن لم تستطع هذه الطريقة المكثفة أن تشبع حاجة المتلقي تماماً فالعديد من النقاط بحاجة لإيضاح وموضوع الصدفة لم يكن مجدي دوماً.

المسلسل عرض بقرابة التسعين دقيقة وهو زمن فيلمي، وتم تقسيمه وتوزيعه بشكل حلقات، وتطبيق خاصية فصل القصص لاستغلال إمكانيات القناة التي عرض عليها، ولكن لم يكن لتقسيم القصص وعملية الاختيار أي تأثير على مضمون وعلى سياق الحكاية الأساسية، فإن بدأ المتابع بقصة كريم أو عبير أو وفيق فإن الحبكة لم تتغير، والنهاية والبداية يربطان العمل الذي كان أشبه بوحدة كاملة، ولم تكن بحاجة إلى تقسيم، ونتيجة هذا التقسيم تم فصل القصص وربطها بشكل غير متين درامياً، وإن عرضت الحكاية ذاتها بشكل فيلم لكان من الممكن أن تجد حلولاً درامية أكثر تماسكاً وصلابة.

فالحكاية تطرقت لتفاصيل واحتوت تكثيفاً غير مسبوق ومغيب عن ساحة الدراما السورية اليوم، والتي تلهث خلف سياسات قنوات وشركات التسويق، وهذ الميزة والحرية المتاحة خلقت قصة جديدة استطاعت بها الدراما السورية ملامسة الواقع من جديد.

يبقى العمل خطوة جريئة استطاعت أن تصل إلى العرض بلا برتوكولات وسياسات وتوجيهات المؤسسات الإنتاجية، وحمل بذلك خطابه الخاص به بعد تأطير الدراما السورية ضمن الحدود المفروضة من قبل الكثير من الجهات.

نبذة عن الكاتب

دانة كريدي

صحفية سورية

Loading Facebook Comments ...