منابع كراهية السوريين لبعضهم

المقال المقروء:

—–

شكلت جريمة التمثيل بجثة المقاتلة الكُردية “بارين كوباني” من قِبل عناصر من الجيش الحُر الرديف لفرق الجيش التُركي المُهاجمة على منطقة عفرين، شكلت “صدمة” جديدة لقطاعات واسعة من السوريين. فالجريمة النكراء استبطنت وجمعت الكثير من العُنف السادي مع ذكورة محضة وفيضٍ من الخِطابية الأيديولوجية. وهي بهذا المعنى كانت عُنفاً وكراهية لجماعة أهلية/سياسية سورية ضد أُخرى.  بقولٍ أوضحٍ، كانت تعبيراً عن كراهية وعُنف مُستبطن من قِبل جماعة سياسية عسكرية “عربية سُنية” تجاه أخرى نُظيرة، منتمية للكُرد السوريين.

كانت تلك الحادثة مُتممة لعدد هائل من الجرائم التي مارستها القوى السياسية العسكرية الأهلية السورية المُختلفة تجاه بعضها البعض، حيث تقوم قوة مُسلحة رديفة لجهة سياسية أهلية بذاتها، وتحت مُختلف اليافطات والحُجج الوظيفية، بممارسة جرائم عُنف مريعة بحق منطقة أو مدنيين أو أسرى منتمين لجماعة سورية أخرى. ثم تقوم القواعد الاجتماعية لهذه الجماعة السياسية المُعتدية بتبرير وتحوير تلك الجرائم بعدد لا يُحصى من التفسيرات التي لا تقل فظاعة عن الجريمة بذاتها.

تعدد وتتالي تلك الجرائم، وتوزعها على مُختلف الجماعات والقوى السياسية، يدل أن الكراهية المُتبادلة بين الجماعات السورية وصلت لأعلى مستوياتها، وصارت ديناميكية تأسيسية لعلاقات ووعي الجماعات السورية ببعضها. فخلا بعض المثقفين والأفراد الذين يملكون تجارب خاصة تؤهلهم لبناء منظومة عقلية خاصة لتفكيك الأحداث السورية، بما فيها أعمال العُنف المريعة هذه، فأن أغلبية واضحة من السوريين صاروا داخلين في مستنقع الكراهية المُتبادلة هذه، ويستخدمونها كأداة لتفسير ووعي الأحداث السورية.

منشأ هذه العلاقات المريعة بين السوريين متأتية من ثلاثة منابع، تراكبت في التاريخ السوري المعاصر:

فسوريا عاشت قرابة ثلاثة أرباع قرن في شكلين من “السلطة الطائفية المُستترة”. مُنذ أوائل الثلاثينات وحتى بدايات السبعينات، كانت سوريا دولة عربية سُنية، تُهيمن فيها النُخب البرجوازية المدينية السُنية على الحياة الاقتصادية والسياسية والرمزية في البلاد، على حِساب تهميش الأقليات الطائفية والقومية والحط من مكانتها في المتن العام.  فالدولة بمؤسساتها ومواثيقها وهويتها وقوتها المادية والرمزية كانت مملوكة لمُنتمين لهذه الجماعة، بينما كان الآخرون يراكمون مظلوميتهم التي كانت تقول بأن آلامهم وأحوالهم التعيسة ناتجة عن سلطوية الجماعة المركزية في البِلاد.

تغيرت المعادلة تماماً مُنذ بداية السبعينات، وصار تحالف الأقليات السورية، وإن بنسبٍ متفاوتة فيما بينها، صار يحكم الأغلبية العربية السُنية في البلاد، التي لم تعد تملك إلا الهوية الرمزية للدولة مع شيء من شراكة طبقتهم التجارية لرجالات السُلطة الجديدة.

طوال الزمنين، راكم المنتمون إلى الجماعات السورية المُختلفة سرديات تفسيرية تقول بأن أصل مُشكلاتهم كامنٌ في وجود الجماعة المُقابلة، وأن المساواة في دولة مدينة ديمقراطية مُجرد وهمٍ لم ولن يُطال.

تراكبت تلك المظلومية بأحداث عُنف مُريعة، بدأت مُنذ انقلاب حسني الزعيم عام 1949، مروراً بالمحق الذي مارسته الحقبة الناصرية بحق الشيوعيين السوريين. لكنها لم تأخذ صبغة العنف المتبادل بين الجماعات الأهلية إلا مع أحداث حماة، التي تتالت مُنذ أحداث جامع السُلطان عام 1965، وحتى المجزرة المريعة في شباط عام 1982، وما تلاها من عنف محض تجاه كافة المُعترضين على توجهات النِظام الطائفية. طبعاً دون نكران اشكال العُنف غير المحضة، كسياسيات التعريب والإنكار التي مورست بحق الكُرد السوريين.

حور العُنف من علاقة التنابذ بين الجماعات السورية لتغدو قطعية، تحطمت معه الحلول الوسطى وقدرة السياسة والتواطؤ المتبادل على تفكيكها. فاقمت أحداث الثورة السورية من ذلك، حيث صعّد المتطرفون من كُل جماعة من حُججهم التقليدية التي تقول بأنه لا عيش لجماعتهم دون إخضاع الجماعة المُقابلة.

أخيراُ، فأن المُنتمين للجماعات السورية ليسوا أبناء عاديين لبيئاتهم وذاكرتهم الجُغرافية والتاريخية السورية فحسب. بل تستمد جميعها ذاكرتها ونمط علاقاتها المُتبادلة من جماعات وأحداث وتوازنات أكبر من سوريا، مُجتمعاً وتاريخاً وجُغرافيا.

فالمستوى الراهن من تعقد وتشابك علاقات السوريين ببعضهم، والمستوى المريع من للعُنف الذي يمارسونه ضد بعضهم البعض، صحيح أنه متأتي من التاريخ السوري المعاصر وتوازن جماعاته بمستوى ما، لكنه أيضاً السليل الطبيعي لعدد من القضايا الإقليمية المريعة التي تفوق سوريا وتؤثر عليها، كالقضية الكُردية والفلسطينية والروح القومية التُركية التي تراكبت في السنوات الأخيرة مع الطائفية السُنية ومظلوميتها. على نفس المستوى فأن جماعات أقلوية سورية غير قليلة متأثرة وتعتقد بأنها تستطيع الاستفادة من الهيمنة العسكرية والسياسية والطائفية الإيرانية، ويتخذ المسيحيون قراراتهم الكُبرى بناء على ميراث ما مورس ضدهم في دول الجوار السوري طوال القرن الماضي.

لا يُمكن تشييد أية منظومة تفسيرية متكاملة لما يفعله السوريون بحق بعضهم البعض، لكن منظومة الكراهية التي تتبادلها الجماعات السورية فيما بينها، والتي رفعت عن نفسها الحياء الذي كان في زمن ما قبل الثورة، تُعد من أهم أوتاد تلك الخيمة المُريعة، التي لن توفر أحداً من شرها المُطلق.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...