ما تبقى من “داعش”.. تسجيل صوتي نادر

قُتل أخيراً مغني الراب الألماني الداعشي دينيس كوسبيرت (أبو طلحة الألماني) في غارة جوية على دير الزور، حسب خبر مرفق بثماني صور لجثته ملطخةً بالدماء. كوسبيرت مدرج من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، التي أعلنت مقتله في العام 2015، قبل أن يتضح أنه نجا، كـ “إرهابي عالمي يروّج لفظاعات المسلحين ويسوّقها”.

لا تأتي أهمية كوسبيرت من كونه أحد القياديين في تنظيم “الدولة الإسلامية” – داعش، بل باعتباره ممثلاً إعلامياً بارزاً لخطابه، حيث اعتبرتْه أجهزة الاستخبارات الألمانية “أداة دعائية خطيرة، بسبب التأثير الذي كان يمارسه على الشباب الألمان كأحد رموز موسيقى الراب”.

كما قالت متحدثة باسم الخارجية الأمريكية: “كان كوسبرت مقاتلاً أجنبياً إرهابياً يعمل لصالح تنظيم داعش ويستخدم الشبكات الاجتماعية لاستغلال الشباب الساخط وتحويلهم إلى مجندين غربيين”.

كوسبرت نفسه كان يعتبر أن “الشباب اليافع يميلون لعناصر في قصته الشخصية، مثل عضويته في عصابات شوارع برلين وفكرة هدايته فيما بعد إلى طريق الصواب”. ويقول “إن مهمتي أن أستخدم صوتي لإخبار الناس بالحقيقة، والحقيقة هي أن الجهاد فرض”.

ما تبقى من "داعش".. تسجيل صوتي نادر

تصلح حكاية كوسبيرت نموذجاً لتتبّع وتلخيص خطاب “داعش” الإعلامي، لقصة صعود وأفول “داعش” نفسه. فقد جرى التعرّف على صوت مغني الراب (هو من أب غانيّ تَرَكَه طفلاً لأمه الألمانية، قبل أن تتزوج هذه لاحقاً من جندي أمريكي سابق سيدفع بالطفل خارج المنزل ليتربى في مؤسسة خاصة بالأطفال العنيدين، وليس من المستبعد أن تضاف إلى مسيرة كوسبيرت حكاية ثأر شخصي مع الجندي الأمريكي) في شريط غنائي مصور يمكن اعتباره نموذجاً متكاملاً لعناصر الخطاب الإعلامي الداعشي.

في الفيديو الذي يحمل العنوان “إليكم يا أعداء الله”، وهو باللغة الألمانية ومترجم للانكليزية، يظهر شاب بملابس عصرية في شقّته، يتناول إفطار الصباح، متصفحاً موبايله، ومن ثم جهاز اللاب توب الخاص به، مشيراً إلى عبارات من القرآن، لنراه فيما بعد بالملابس الأنيقة ذاتها في حديقة، بيده كأس الشراب، وبالأخرى موبايله (ليس لديه وقت ليضيعه بالأكل وحده)، يبدأ بإرسال مجموعة من الرسائل الوداعية، لإخوته، ومع رسالته لأمه تنزل دمعة كبيرة فوق شاشة الموبايل (الداعشيّ رهيفُ القلب حين يتعلق الأمر بالمقرّبين أو بإخوة المنهج: “أذلّة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين”..) إلى أن نراه منطلقاً بسيارته المفخخة.

في قلب حكاية هذا الشاب، هناك صور حزّ رقاب الأعداء، الجنود خصوصاً مذبوحين أو جرحى. مشهد إحراق معاذ الكساسبة، الطيار الأردني الذي وقع في أسر داعش. إلقاء الأعداء من جرف عال.

فيديو مليء بالدم، ولكن أيضاً بكلام الله، وبفيض من العواطف، كتلك الدمعة الهائلة، التي عليها أن تقول إن الداعشي إنسان من لحم ودم، كما عليها أن تدفع عنه صورة التوحش والإرهاب.

الرسالة تقال في الفيديو بلغة فنية عالية، لم تتوفر من قبل لجماعة إرهابية. المستوى المتقن بذاته هو رسالة، فمن يتوفر له الوقت والخبرة والمال كي يصور هكذا فيديو لا بدّ أن له من السطوة والقوة والمكانة ما يجعل الناس تخشاه، ويشعرون بأنه “باق ويتمدد”، حسب شعار التنظيم الشهير.

الفيديو مصنوع برشاقة بصرية، وبإشارات مدروسة وموظفة: الكاميرا تنتقل من السبابة المرفوعة للشهادة أثناء الصلاة، إلى الإصبع التي تنتزع عتلة القنبلة اليدوية، فكلا الفعلين عبادة. الكاميرا التي تصوّر الأجساد الواقفة بثبات للداعشيين تصوّر أعداءهم راكعين عند أقدامهم، جرحى، مستنجدين، منحورين كخراف، في مشاهد صنعت خصيصاً للتشفي، ولا سيما مع اللون البرتقالي الذي اختير للانتقام للمعتقلين الذين وقعوا بأسر الأمريكيين.. ها هم جنودكم يذوقون السمّ الذي جرّعتمونا إياه.

كذلك فإن الكاميرا التي تصور ذعر الأعداء، تبرز ابتسامات الداعشيين الرضية، الآمنة والمسترخية، خصوصاً أثناء اتجاههم لأداء مهماتهم الانتحارية. هناك أيضاً صورة “العيش الرغيد”، كما أشير في تقرير يرصد أحوال “داعش”، وكما يظهر في حالة الشاب الأنيق بطل الفيديو. فهناءة العيش في ظل “الخلافة” كان لها الدور الأكبر في استقطاب داعشيين من أقطاب الأرض، كما لاحظنا في مقابلات إثر هزيمة “داعش”، حين ظهرت نساء آسيويات غرر بهن للمجيء إلى “أرض الخلافة”.

الشريط الصوتي المرافق أيضاً له وظيفته، فهناك احتفال بصيحة “الله أكبر” أثناء ضغط زر التفجير، تماماً كما الاحتفال بصيحات الضحايا المختلطة لحظة التفجير. لا شيء يخرق صوت المنشد إلا صوت تحرير زناد بندقية، أو صوت تفجير.

الرقص في العتمة

كان ذلك الفيديو واحداً من رسائل إعلامية كثيرة لـ “داعش”، بثت عبر مؤسسات وقنوات خاصة بها. لكنها اليوم جميعاً انهارت بالتوازي مع الضربات الموجعة التي تلقاها “داعش” على الأرض. رحلة الصعود السريع لـ “دولة الخلافة” خلال عامي 2014-2015 تقهقرت تماماً، فيما البحث جار عن “خلافة افتراضية”. فحسب تقرير لـ “وكالة الصحافة الفرنسية” فإن “ما تبقى من آلة الدعاية المعقدة هو فقط الظل السابق للتنظيم. فقد دمرت معظم مراكزهم الاعلامية، والعاملون معهم في مجال الدعاية يجدون أنفسهم يكافحون للحصول على الانترنت وهم يحاولون الاحتماء من تقفي وكالات التجسس الدولية آثارهم”.

ليس من المستبعد إذاً أن يستلهم أنصار “داعش” “استراتيجية الذئاب المنفردة” تلك التي هندسَها أبو محمد العدناني (قضى في غارة شمال سوريا العام 2016)، والتي “تستهدف تنفيذ عمليات في دول غربية من خلال أشخاص لا يرتبطون بالتنظيم إلا وجدانياً عبر استلهام الأفكار”. وقد لاحظ خبراء بالفعل بدء “ظهور رسائل وملصقات على مواقع التواصل تعمل على تغذية الشعور بين أنصار التنظيم بالحنين إلى الفترة التي كان فيها في أوج قوته”.

لكن يبدو أن إدارات مواقع التواصل الاجتماعي منهمكة بمطاردة التنظيمات الإرهابية و”كيفية وقف واستئصال منشورات الجهاديين على الانترنت والمرتبطة بالإرهاب والعنف، ذلك في إطار تطوير سبل مواجهة هذا النوع من الدعاية”. ولا تتوقف عن عقد مؤتمرات وورش عمل في هذا السبيل.

وحسب فنسنت سيمستر، رئيس وحدة الانترنت في “اليوروبول” (وكالة الشرطة الأوروبية) فإنها “حقاً معركة لا تنتهي ومستمرة بالتطور تتحرك عبر المنصات الرقمية”.

اندحرت “هوليوود” الخاصة بـ “داعش”. لم يبق منه اليوم سوى خبر تبني عملية هنا أو هناك. أو فيديو بين أيدي أجهزة الاستخبارات لشاب ألقي القبض عليه أخيراً قبل تنفيذ عمليات، وفيها يصوّر مبايعاته للتنظيم الإرهابي الأخطر.

لم يبق سوى “دعاية ماكرة”، كأن تقرأ خبراً يقول إن التنظيم قام باستعراض رتل عسكري له غربيّ العراق، ولكن من دون صور مرفقة ولا فيديو، تماماً كمن يرقص في العتمة.

 لا شيء يختصر خطاب “داعش” في صعوده وتقهقره أكثر من صورة زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، عندما ظهر في العام 2014 في جامع النوري الكبير في الموصل معلناً “الدولة الإسلامية” المزعومة، صاعداً المنبر ببطء وثبات وبهيئة تحلم بالبقاء والتمدّد إلى الأبد، ومن ثم بعد عامين فقط عندما التُقط صوته لمدة 45 ثانية يبث فيها رسالة تستنهض مناصريه قبل أن يكتشف حراسه الخطأ فيسارعوا إلى تبديل مكانه، وكانت واحدة من مرات قليلة يجري رصد مكانه. إنه الفارق بين صورة زعيم راسخ، ومطارد هارب لا يتمكن من الصمود لدقيقة واحدة عبر اللاسلكي.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...