قول عن عفرين

المقال المقروء:

– – – –

(إلى رفيق ربيع دمشق حسن قاسم).

أضافت أحداث عفرين خلال الأيام الماضية المزيد من “اللغط” للعلاقات المتوترة بالأساس بين المجتمعات المحلية السورية، خصوصاً للعلاقة العربية الكُردية، القائمة على حساسية مركبة، مكونة من ذاكرة المظلومية المتبادلة، الكُردية القديمة التقليدية والعربية “السُنية” الحديثة.

بالأساس، ثمة افتراضان مستقطبان مُتعارضان في مسألة عفرين، يرى كُل منهما نفسِه كبداهة لا يُمكن تجاوزها، ويطالب الطرف الآخر الارتكاز عليها:

يقول الافتراض الكُردي: ما يدفع تركيا لمهاجمة عفرين هو عدائها التاريخي التقليدي للتطلعات القومية الكُردية، والمسألة لا تتعلق بسلوكيات وسياسيات حزب الاتحاد الديمقراطي، فالدولة التركية الحديثة تقمع الحقوق الكُردية داخل أراضيها وفي دول الجوار. لذا فأن هجومها على عفرين إنما يتقصد تحطيم التطلعات والمجتمع الكُردي السوري بطريقة عدوانية. وبناء على ذلك، فأن القوى العسكرية والسياسية السورية التي تساهم في هذه العملية التركية، إنما شريكة له في هذه الفعل التحطيمي، وهي تؤسس لعداء سياسي ومُجتمعي كُردي عربي مفتوح في كامل الشمال السوري.

بالمقابل يقول الافتراض العربي: أن عملية عفرين لا تتقصد المجتمع الكُردي في منطقة عفرين، أنما حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي واجنحته المُسلحة، التي تحالفت وتوافقت مع النِظام السوري في أكثر من موقف ومنطقة، بالذات في ريف حلب الشمالي، حينما استغلت قصف الطائرات الروسية لتلك المناطق، واحتلت بلدات ومُدن مثل منغ وتل رفعت، وقصفت طريق الكاستيلو الحيوي أكثر من مرة. لذا فأن محاربة هذه القوى العسكرية إنما جزء من محاربة النِظام السوري.

التراجيدي في المسألة هو امتناع القدرة على تكوين رؤية عمومية “سورية وطنية ديمقراطية”، تستطيع أن ترى كامل المشهد بعينٍ واحدة، وأن تفرز من الافتراضين ما هو حقيقي وموضوعي، عن ما هو مصطنع وأيديولوجي قومي ومُبالغ به.

رؤية تستطيع أن تقول في الآن عينه ما يلي: أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي لم يكن منذ البدايات جزءً تأسيسياً من قوى الثورة السورية، وشابه في استراتيجيته وتطلعاتها القوى الإسلامية المتطرفة من حيث المنطق. ففي حين استغل الإسلاميون المتطرفون الثورة ونفذوا اجندتهم الخاصة عبرها وحطموا المجتمع السياسي العربي “السُني” المدني، خصوصاً في محافظات الجزيرة وحلب وإدلب، وبالتفاعل والولاء مع القوى الإقليمية التي ما كانت تُريد للثورة السورية أن تحقق طموحاتها، فأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي فعل شيئاً من ذلك مع المُجتمع الكُردي السوري، استغل مأساة الكُرد السوريين وحور من حراكهم الثوري وقمع أحزابهم السياسية التقليدية، بالتوافق مع النِظام السوري.

أن يقول ذلك، ويُضيف بالصرامة نفسها ما يلي: لكن كُل ذلك لا يعني بأن النِظام التُركي المستند على أرث فظيع من العدوانية القومية للكُرد أنما يقوم بعمليته العسكرية بهدف محاربة قوة عسكرية تحالفت مع النِظام السوري، بل تقوم بذلك لخوفها المريع وعدائها للتطلعات القومية الكُردية. وأن النِظام التُركي في الوقت الذي يسعى لأن يحارب في عفرين، أنما يدخل في أوسع شراكة استراتيجية مع النِظامين الإيراني والروسي، اللذين ينوبان عن النِظام السوري لترتيب الأوضاع الداخلية في سوريا على حِساب الشعب السوري، وقد مارست الدولة التركية الكثير من الانتهازية في المسألة السورية جراء ذلك، فقد سلمت شرق حلب للنِظام السوري، وشجعت القوى الإسلامية المتطرفة على حِساب المُعتدلين والمدنيين السوريين، وأجندتها ومصالحها في سوريا مختلفة تماماً عن ما للشعب السوري.

ليس بين القوى السياسية السورية أية جهة تستطيع أن تقول ذلك، أن تطالب تركيا بالتوقف عن المزيد من اللعب بالداخل السوري وإثارة الحروب الداخلية لمصالح ذاتية خاصة بالقوميين الأتراك، وأن تعتبر الشراكة وحقوق الكُرد الديمقراطية تكويناً أساسياً في حاضر ومستقبل سوريا.  وفي نفس الوقت أن تطالب قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب من بلدات منغ وتل رفعت وتل أبيض والرقة، وأن يترك حُكمها لسكانها المحليين وقواهم المسلحة، إلى أن تنحل المسألة السورية بطريقة ما، وأن تعتذر عما فعلته في أكثر من موقع بحق هؤلاء السكان. لا تستطيع القوى السياسية السورية قول ذلك لأنها مستقطبة ومأخوذة الولاء للدول الإقليمية التي تتعارض مصالحها مع السلام الاجتماعي السوري، الراهن والمستقبلي.

ليس حتى بين القوى المدنية والثقافية السورية إلا القليلين من الذين يستطيعون قول ذلك، فالحرب الدامية شوشت الذاكرة الجمعية والقدرة على الهدوء والتمعن بالأحداث والأحوال بما يتجاوز الآني والغريزي والخطابي.

إلى يحدث شيء ما غير ذلك، فأن ناس عفرين سيدفعون أثماناً كثيرة، مثلما دفع قبلهم أهل منغ وتل رفعت وباقي المدن السورية، الذين خرجوا للثورة في سبيل الكثير من الأشياء، ليس من بينها أي شيء مما يحدث اليوم من صراع دموي وايدلوجي وقومي حول عفرين.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...