فلنحارب التطرف بالتطوع!

“بيدك رقاب الناس وسيخشاك الكبير والصغير وستتناقل أخبارك القنوات العالمية وسيكون لك المزيد من المال والقرارات المنفذة”.

“بحمايتك لمقام زينب سيحبك أهلك ويرضى عنك الإمام علي وعندما تعود لقريتك ستكون صاحب قرار وسياتي مختار قريتك بنفسه يطلب منك الواسطة للحل مشاكل قريتكم”.

عبارتان متناقضتان ولكنهما تصبان في هدف واحد لمصالح مختلفة، كنت قد سمعت الأولى من شاب نحيل لا يبلغ من العمر ١٧ عشر من قرى ريف حلب الشمالي، كان قد التحق بصفوف “تنظيم داعش” قبيل أفوله من الشمال السوري، ثم ألقت إحدى فصائل “الجيش الحر” القبض عليه أثناء المعارك، قال لي الكثير ومن جملة ما قاله لي هذه العبارة عن ترغيب مقاتلي التنظيم له بالانضمام ليكون عنصراً معهم.

العبارة الثانية سمعتها من مقاتل عراقي يقاتل إلى جانب النظام السوري، كانت إحدى فصائل الجيش الحر قد أسرته أثناء معارك سيطرة النظام على قرية ماير بريف حلب الشمالي (شباط 2016).

تختلف أهداف الجماعات المتطرفة العاملة على أرض سوريا بشقيها السنّي والشيعي، ولكنهما يشتركان بطرق متعددة بكيفية إقناع الشباب أو اليافعين ممن هم من أبناء الريف بتجنيدهم لصالحهم واستغلال طاقاتهم لأهداف تلك الجماعات الدينية أو الطائفية أو العنصرية والقومية منها.

صحيح أن وسائل الإعلام العالمية والعربية تناقلت خبر أفول “تنظيم داعش” في كل من سوريا والعراق وحصره ببعض االمناطق النائية كسابق عهده، وأيضاً صحيح أن وسائل الإعلام تناقلت خبر حلّ حركة النجباء الشيعية وتسليم سلاحها للجيش العراقي وحلّ أكثر من جماعة متطرفة شيعية ترسل أبناءها للقتال في سورية، لكن أسباب إعادة تشكيل تلك الجماعات لا زالت موجودة ولما تتم محاربتها من الجهات التي أطلقت الرصاص في الهواء فرحاً بالقضاء على ” تنظيم داعش” ولا تلك الجهات الرسمية التي أعلنت حل تلك الحركات أو تصنيفها كجماعات إرهابية من “استديوهات” المحطات.

لمن يهمه الأمر!

طالما بيئة التنجيد وعوامله لا زالت موجودة لن تنعم هذه المناطق أو تلك من ويلات الجماعات المتطرفة التي ستعمل على إعادة تشكيل نفسها وتنفيذ عمليات إرهابية بحسب الحاجة وسوق السلاح وكساده وارتفاع سعر الدولار أو انخفاضه، وعلينا كمجتمع سوري بخلاف أماكن تواجدنا الحد من محاربة عوامل وبذور نشأة التطرف من خلال بعض الأعمال التي تحد من إقناع الشباب الصغار واليافعين من قبل تلك الجماعات.

فمن هذه العوامل هي بث دور الأعمال التطوعية التي تساهم من تحسين نفسية الشباب، وتشعرهم بأنهم جزء مؤثر في المجتمع، والإشارة بالبنان على الجيد من سلوكهم وأعمالهم التطوعية.

جمع مجموعة من الشباب الصغار وتوزيعهم على مجموعات تقوم بالعمل على حملات تطوعية تساعد الوافدين الجدد من مناطق الاشتباك، والعمل على جمع الأموال من متبرعين لمساندة عائلة لا تملك المال لشراء وقود يقيهم برد الشتاء، كل ما سبق هي من العوامل التي تقف سداً منيعاً دون إقناع الشبان بالانضمام لتلك الجماعات. جماعات سيجد زعماؤها أنفسم بعد فترة يحرسون أنفسهم ويقاتلون أنفسهم ويتآكلون هم والثلة القليلة معهم ولن نسمع لهم ركزا.

قد تكون تلك الأعمال في المنزل وبين أفراد الاسرة تفادياً لاستصدار التراخيص ببعض المناطق.

في الأحياء الشرقية في محافظة حلب، في النصف الثاني من عام 2013، استطاع كل من “تنظيم داعش” وجبهة النصرة (فتح الشام حالياً) تجنيد شبان تلك المناطق. واليوم وبعد احتلال النظام للمناطق نفسها أواخر عام (2016) تعمل المليشيات الشيعية مثل لواء الباقر على تجنيد شبان هذه المناطق.

كنت قد خسرت صديقين من أصدقاء طفولتي، الأول استطاع تنظيم داعش غسل دماغه، حيث أنه اعتقد أن حل مشاكل العالم بأسره متوقف على “فتح” روما، ولكنه مات ولم تفتح روما. والآخر تذكر بعد نحو ١٤٠٠ عام أن الصحابي الجليل الحسين بن علي بن أبي طالب مات غدراً وأن قاتله هو ممول فصائل الجيش الحر ولذا عليه الأخذ بثأر الحسين ممن يحملون علم الثورة، ومات هو أيضاً بريف حلب الجنوبي ولا زال علم الثورة الذي أراد حرقه يرفرف.

سبب انضمام كليهما لتلك الجماعات هو أنهما كانا يبحثان عن ذواتهما، ورغبتهما بإحداث تغيير يرسم لهما معالم رجولتهم الصغيرة، ولكن استطاعت تلك الأيدي سرقتهم واستغلالهم لغاياتهم السياسية باسم الدين، ولو أن كلا صديقي كانوا يعملان في الأعمال التطوعية لأدركا أن ابتسامة طفل في وجهيهما بعد توزيع هدية له خير من تفجير أو قصف مكان يتواجد فيه هذا الطفل.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...