التويجري وشبكات الإسلام السياسي الأفريقية

المقال المقروء:


– – – –

فتحت حادثة اغتيال الداعية السعودي عبد العزيز التويجري في أحدى قرى جمهورية غينيا النائية، فتحت النقاش من جديد حول صراع حميم وغير واضح بين أنظمة وتيارات الإسلام السياسي في مجاهل أفريقيا. فالداعية السعودي السلفي كان واحداً من آلاف الدعاة الذين ينتشرون في الدول الأفريقية، خصوصاً تلك التي تقع جنوب وغرب الصحراء الأفريقية الكُبرى، المنتمين لشبكات واسعة تمزج بين العمل الدعوي السلفي والأعمال الإغاثية وبناء المساجد مع تشييدٍ رصينٍ لشبكات التبعية الايدلوجية للمؤسسات الوهابية السلفية، التي يُمكن أن يُعاد استخدامها في أي وقت. لكنها أيضاً تحارب التيارات الإسلامية الأخرى ايدلوجياً وحتى سياسياً، الشيعية والصوفية منها بالذات، المرتبطة من جهاتها بالأجهزة الإيرانية.

ما أن انتشر خبر اغتيال التويجري، حتى أتهم عدد من الدعاة السعوديون على مواقع التواصل الاجتماعي “دعاة الخرافة والبدعة” بقتل الداعية، مُشيرين بذلك للشبكات الإيرانية، التي تنافس السلفية السعودية في تلك البيئات الاجتماعية القصية، التي تنشر التشيع في الأوساط الإسلامية، إلى جانب نشر الإسلام في البيئات غير المُسلمة.

بعد أيام قليلة، انتشرت أخبارٌ بأن التويجري قُتل على يد أحد الصيادين القرويين، من الذين لم ترق لهم آخر خُطب التويجري في قريتهم. فكُل سكان القرية والمُحيط الجُغرافي الأوسع يتدينون بالأرواحية والأديان المحلية المتنوعة، من تتعرض لحملات تبشيرٍ دينية وايدلوجية، كالتي ينشرها أمثال التويجري، والتي تستهدف تحطيم العالم البسيط والهادئ الذي يعيشه سُكان تلك المناطق، واقحام حيواتهم بعوالم الدعاة السلفيين المُتخمين بالصرامة والإيمان بالصراعات المفتوحة والمطلقة، من خلال فرز تلك المجتمعات على اساس ايدلوجي حربي، بين مؤمنين أو وثنيين.

ما تقوله “حكاية” الشيخ التويجري هو ثلاثة قضايا بسيطة ومتربطة فيما بينها:

تسمح القوى الإسلامية، الإيرانية والسعودية على حدٍ سواء، تسمح لنفسها بأن تملك الحق في اقتحام عوالم البُلدان والمجتمعات الأخرى، في سبيل نشر أيدولوجيتها وإنشاء شبكات الولاء التي يُمكن أن تستغلها مستقبلاً. في وقتٍ تتربص فيه هذه الدولة بأية محاولة لأية جهة أو فردٍ لأن يؤثر، ولو بشكل تفاعلي، على مجتمعات دولهم.

 فالدولتان غير أنهما تمنعان بصرامة مُطلقة أية بعثات تبشيرية لأي من الأديان والمذاهب غير الرسمية في البلدين، كذلك فأنهما تملكان حساسية خاصة تجاه المنتجات الثقافية والفنية والمعرفية التي قد تهز من أسس ما تفرضانه من ايدلوجية رسمية على مجتمعاتهما. فالسينما والمسرح والفرق الموسيقية وشبكات التواصل والمنتجات المعرفية، خصوصاً في مجالات العلوم الإنسانية، مراقبة بجدية تفوق مراقبة الدولتين لشبكات الجواسيس الفعليين على أمن البلدين!!.

ثمة اهتراء في العدالة في هذا المجال، لكن فوق ذلك، ثمة اهتراء أعمق في الثقة بالذات. أساسه أدراك هذه الأنظمة الطبيعة السلطوية لما تفرضه من أيدولوجيات رسمية على مجتمعاتها، في وقت تُدرك بأن هذه المُجتمعات متواصلة وحميمية بشكل أوسع مع العالم الرحب ومنتجاته، عكس ما يحاول نظام الدولتين تصويره من قطيعة.

المسألة الأخرى تتعلق بفائض الثروة في كلا البلدين، وطريقة تصريف النِظامين للثروة العامة. فشبكات الدعاة التي تنشط في المجاهل الأفريقية، والتي يُصرف عليها مليارات الدولارات، منذ زمن الصراع مع شيوعية الاتحاد السوفياتي وحتى الآن، لا تأتي إلا بعائد استخباراتي على استقرار وديمومة النِظامين السياسيين فحسب، إنما هي على حِساب مجتمعات البلدين، المالكين الحقيقيين لهذه الثروة، التي يجب أن تُصرف على قطاعاتهم التعليمية والصحية والتنموية أولاً.

في إيران اليوم ثورة خافتة، أساسها عيش قُرابة ثلاثين مليون إيراني تحت خط الفقراء، الذين انتفضوا بعد اقرار الموازنة العامة الأخيرة، والتي اقرت مليارات الدولارات لصالح طبقة رجال الدين، من الذين يصرفونها على مثل تلك الشبكات الأفريقية. وفي السعودية أيضاً شيء كثير من ذلك، فالدولة الأكثر تصديراً للنفط في العالم، ما تزال ميزانيتها العامة تعاني من عجز متفاقم.

 أخيراً، فأن حكاية الشيخ التويجري تكشف الآلية التي تتعامل به الشبكات الدعوية الإسلامية مع المجتمعات الضعيفة. فالتويجري وأمثاله يفضلون القرى النائية في البلدان الفقيرة لنشر دعاوتهم، على المُدن والجامعات ومراكز البحوث. بمعنى ما، يفضلون ويستغلون بساطة وحاجة تلك المجتمعات للحد الأدنى من الإغاثة والمساعدات لنشر أفكارهم ومعتقداتهم. شيء يمزج بين الانتهازية وشراء الذمم، يستغل أحوال البسطاء وحاجاتهم.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...