اللاجئ السوري: يحبونني ميتاً

يعاني اللاجئون السوريون مرارات لا حصر لها، بدءاً من أسباب اللجوء التي أجبرتهم على التخلي عن بيوتهم ومممتلكاتهم، إلى مصاعب الطريق إلى بلد آمن، والتي سجّلت قصصاً أسطورية لا تحصى، وصولاً إلى ازدهار العداء للاجئين في بلدان اللجوء بهذه الذريعة أو تلك.

لكن قد تكمن قمة التوحّش إزاء هؤلاء المقتلعين من مساكنهم ومجتمعاتهم الأليفة لدى بعض من أبناء جلدتهم، أولاً من مؤيدي النظام، وهذا بديهي حيث يعتبر هذا العدد الكبير من اللاجئين شهادة لا يمكن إنكارها على فظاعة جرائم النظام، بالإضافة إلى أن لدى هؤلاء من القصص ما سيظل يروى بحرية من دون خوف أو تحسّب للاعتقال. وثانياً، وهذا عصيّ على التصديق، من غير الموالين، أو ممن ما زالوا يتعرضون للقمع والتهديد بالاعتقال بسبب أو من دون سبب.

أفظع كلمات الإهانة والاحتقار يمكن أن يسمعها المرء ستأتي من معارضين ما زالوا يعيشون في مناطق سيطرة النظام، وقد يكون لهم بالفعل مشاركتهم بتظاهرات أو فعاليات احتجاجية مع بدايات الثورة.

يصعب تفسير كيف أن معتقلاً سابقاً لسنوات في سجون النظام، ومدافعاً عَمِلَ في مجال حقوق الإنسان ومناهضة العنف ضد المرأة، أن يسمي ضحايا غرقوا في عرض البحر بـ “الفطايس”. لنقل إن هذا “الناشط الحقوقي” قد حسم موقفه منذ البدء كموالٍ عنيد للنظام، فما بال ناشطين لا يمكن إنكار صدق مناهضتهم للنظام يرون في لاجئي بلدهم متكسّبين، أو هاربين، ولا يترددون في رفع لافتة فيسبوكية جارحة تقول لهم “كشّوا برا”، وهذه أنقلها حرفياً عن أحد الفنانين السوريين المعارضين.

لطالما قرأنا جدالات على مواقع التواصل الاجتماعي يشكك فيها “سوريو الداخل” بأحقية مواطنيهم بـ “شرف” اللجوء. لكن من قال إن على اللاجئ أن يكون زعيماً ثورياً، أو معتقلاً سابقاً، أو شهيداً حتى يستحق ذلك الشرف. من قال إنه يتوجب أن يكون المرء مطلوباً شخصياً لأمن النظام حتى يستحق!

اللاجئ حسب اتفاقية العام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين هو من يغادر إقامته المعتادة “بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف، أو لا يريد أن يستظل بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد”.

كذلك فإن “اللجوء يمكن أن يمنح لمن غادروا نتيجة حرب أهلية ماحقة، أو غزو عسكري أجنبي، أو حتى كارثة طبيعية أو بيئية”.

وستجد على موقع “مفوضية اللاجئين” تفريقاً واضحاً بين اللاجئ والمهاجر لأسباب اقتصادية “يغادر المهاجر الاقتصادي عادة بلده طواعية من أجل التماس حياة أفضل ويتمتع بحماية حكومته أو حكومتها الوطنية. غير أن اللاجئ ليس له خيار سوى الفرار من البلد بسبب ما يتعرض له من التهديد بالاضطهاد”.

لا شك أن نظرة بعض السوريين، من غير اللاجئين، لمواطنيهم تنطوي على شرخ اجتماعي كبير بات صريحاً، ويجري التعبير عنه بأوصاف من قبيل “سوريو الداخل” و”سوريو الخارج”.

لقد بات من السهل اتهام “سوريي الخارج”، عند أول خلاف في الرأي، أنهم يتحدثون من مطرح آمن ومن موقع عيشٍ رغيد ولم يعد بوسعهم ولا من حقهم الإدلاء بآرائهم. في وقت نعرف جميعاً أن لكل لاجئ حكاية، وكثيرون هم من دفعوا أثماناً باهظة في ظل نظام الأسد.

لكن هل من الضروي حقاً أن يكون اللاجئ قد دفع ذلك الثمن؟ ألا يكفي رعبه من احتمال أن يدفع الثمن بسبب خطأ ما على الحاجز، إذا أحسنّا الظن، أو لأن “نفوسه” تعود إلى مدينة داريا، أو لأنه يحمل اسم عائلة درعاوية مغضوب عليها؟

هل على السوري أن يكون معتقلاً، أو ميتاً مع خمسين من عائلته، أو تحت الأنقاض كي يحظى بمجد اللجوء، هذا الذي يختبر السوريون مراراته كل يوم؟

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...