كُردستان، الوصفة الجاهزة لصناعة كيانٍ مُتعب

الحلقة المسموعة:

– – – –

شهد إقليم كُردستان العراق مظاهرات صاخبة خلال الفترة الماضية،  خصوصاً في مُعظم مُدن وبلدات مُحافظة السُليمانية. أقدم المُتظاهرون على إحراق مقرات ومكاتب ومؤسسات تابعة للأحزاب الكردية والحكومة المحلية، كانت أعنفها في بلدة “رانيا” التي شهدت مواجهات بين المُتظاهرين وقوى الأمن الداخلي، أعلنت دائرة الصحة مقتل خمسة مواطنين وجرح نحو ثمانين آخرين في هذه المواجهات. حسب مصادر من المعارضة الكُردستانية فأن السُلطات الأمنية اعتقلت أكثر من 150 شخصاً، أبرزهم رئيس حركة الجيل الجديد المعارضة شاسوار عبد الواحد، بدعوى وقوفه وراء أعمال العنف التي تخللت المظاهرات، كما أغلقت القناة NRT التلفزيونية المُعارضة.

لأي مُتابعٍ لتلك الأحداث أن يحس عديد المشاعر، أكثرها دقة وصحة، هو أن هذا الكيان السياسي مُتعبٌ جداً، وحيث أن التعب عتبة كُل المعضلات الجوهرية التي تصيب الكيانات والمُجتمعات، المنطق الذي يصحُ بالضبط فيما يتعلق بالبيولوجيا الآدمية.

مثلاً يعيش إقليم كُردستان مًنذ سنوات اختلالاً في توزيع السُلطة على مُختلف مناطق الإقليم. فبرلمان إقليم كُردستان العراق يضم 111 مقعداً، موزعاً بشكلٍ شبه متوازن بين محافظة السُليمانية من طرف، ومُحافظتي أربيل ودهوك من طرفٍ آخر. لكن الحزب الوحيد الذي يمثل مُحافظة السُليمانية في الحكومة الإقليمية هو حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني، الذي يملك 18 مقعداً برلمانياً فحسب. بهذا المعنى، فأن الثقل السياسي الرئيسي لمُحافظة السُليمانية غير ممُثل في حكومة الإقليم. الأمر نفسه ينسحب على مراكز الحُكم والمؤسسات السلطوية العامة الأخرى الرئيسية.

تعتقد القواعد الاجتماعية لأحزاب المُعارضة في مُحافظة السُليمانية بأنهم مُستبعدون من مؤسسات الحُكم، وأن ذلك يؤثر على عدالة توزيع الثروة الوطنية –الإقليمية- على مُختلف جِهويات الإقليم. وأن ذلك تعزز في السنوات الأخيرة، بعدما اقتضى الاتفاق الاستراتيجي –عام 2005-  بين الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني أن تكون رئاسة الإقليم من حصة الحزب الأول ورئاسة الجمهورية العراقية من حصة الحزب الثاني.

من جهة أخرى فأنه في الإقليم نوعان من الأحزاب: واحدة سُلطوية تقليدية مُسيطرة على كُل شيء، وأخرى مُعارضة مُراهقة، لا تُريد شيئاً ولا تبلي بأي أمر، سوى الوصول للسُلطة والسيطرة على الحياة العامة.

فالحزب الديمقراطي الكُردستاني، أعتق الأحزاب في السُلطة،  يُعبر دوماً عن عدم قُدرته على التعايش في الحُكم مع حزب المُعارضة الرئيس حركة التغيير كوران، المُستند بشعبيته أساساً على مُحافظة السُليمانية. فالتوافق مع الحركة أدى لمشاركة حزب المُعارضة في الحكومة الإقليمية ونيله لمقعد وزاري سيادي –وزير المالية- ورئاسة البرلمان، لكنه ما لبث أن عاد إلى “شعبويته” وتخلى عن التوافق السياسي وأراد أن يزيح الحزب الديمقراطي عن كُل السُلطة في صيف عام 2015. أراد الحزب المُعارض أن يزيح حزباً يملك من المقاعد البرلمانية ضعف ما يملكه هو، ويُسيطر على كافة أشكال الحياة العامة، خصوصاً الأمنية والاقتصادية، برومانسية ثورية لا تفهم تعقيدات الحياة السياسية في الإقليم بأي شكل.

فوق ذلك، يعيش الإقليم أسوء أوضاعه الاقتصادية مُنذ العام 2003. فخلال عشرة سنوات مُنذ ذلك التاريخ بقي الإقليم يتلقى حصته من الميزانية المركزية العراقية، التي كانت تتراوح بين 10-15 مليار دولار سنوياً، كانت توفر للحكومة الإقليمية الكُردستانية قدرة على إدارة الحياة العامة الاقتصادية بأريحية تامة، سمحت باستمرار النمو العام بما لا يقل عن 4% طوال تلك السنوات، وتشييد بُنية تحتية مُعتبرة في مُختلف مناطق كُردستان. مُنذ العام 2014 صار الإقليم يُصدر نفطه الإقليمي عبر اتفاق خاص مع تُركيا، ودون توافق مع الحكومة المركزية، لكن هذا التصدير بقي يؤمن لحكومة الإقليم موارد يستطيع عبرها أن يستمر في إدارة حياته الاقتصادية.

أخيراً، فأن الإقليم يعيش في ظل كيان سياسي أقوى منه ومتربص به، هو السُلطة والدولة العراقية. مُنذ أزمة استفتاء الاستقلال وإعادة أنتشار الجيش العراقي في مُحافظة كركوك، فأن الحكومة المركزية العراقية تمتنع عن دفع حصة الإقليم من الميزانية العامة، كذلك فأنها صارت تُضيق على حكومة الإقليم من خلال إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية والاتفاقيات مع الدول الإقليمية. أدى ذلك لتراجع ثقة المؤسسات المالية العالمية باستقرار الإقليم، وكذلك تراجع مستوى تصديره للنفط، وصار يعيش تقريباً بدون موارد ثابتة وكافية لإدارته للحياة الاقتصادية وتقديم الخدمات العامة للمواطنين، ومنها بالذات عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين العامين في الإقليم، الذين يتجاوزون مليون موظفٍ عام.

 لا يُعرف من المُتسبب بكُل هذه التفاصيل التي أتعبت كُردستان، لكنه دون شك صار كياناً آخر مُتعباً، يسير في السكة التقليدية لكيانات المنطقة، بعدما عاش فترة قصيرة في ربيع الأمل.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...