ألمودوفار.. شيء عن أفلام وسيرة مخرج استثنائي

قد يولّد التكرار في السينما مللاً وسأماً، وهذا ما أثبت بيدرو ألمودوفار مخرج إسبانيا الأول اليوم أنه خاطئ. فألمودوفار استطاع على مدى أربعين عاماً من العمل مع الأفلام الروائية الطويلة أن يكتسب أسلوباً وملامح خاصة ومتفردة. قصص ميلودرامية متناغمة مع أسلوب باروكي يفيض بزخرفاته وألوانه، لنغدو أمام دراما ألمودوفارية حادة وصارخة، الحياة فيها ملونة وبراقة تكاد تشبه الإعلانات التلفزيونية، ووراء هذا الصخب اللوني تكمن الحياة بقسوتها وغضبها وآلامها ومعاناتها، ويكمن الهرب من الماضي والترحال، ويكمن السر الذي احتفظت به شخصياته لسنين طويلة لتنطقه وتصرح به في أفلامه.

ترأس ألمودوفار لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي لعام 2017،  المخرج الثائر على ديكتاتورية فرانكو أتى من خلفية ليست سينمائية، فصاحب “كل شيء عن أمي”- All About My Mother  لم يختص بدراسة السينما، بل عمل في مجال الاتصالات إلى أن شارك بـ”الحراك المدريدي”، وهي حركة فنية معارضة لنظام فرانكو، حيث بدأ عمله الفني بعروض مسرحية، ثم انتقل إلى السينما الروائية مع أواخر سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته، وأصاب نجاحاً معقولاً برفقة فيلم “بيبي، لوسي، بوم، وفتيات أخريات كأمّي” – Pepi, Luci, Bom and Other Girls Like Mom،  ليشتهر في إسبانيا وبعدها في العالم مع فيلمه “نساء على حافة الانهيار العصبي”- Women on the Verge of Nervous Breakdown، وأصبح بعد ذاك الفيلم المخرج الإسباني الأشهر منذ لويس بونويل وكارلوس ساورا.

Women on the Verge of Nervous Breakdown

امرأة وسط تفاصيل ملونة وكثيفة، امرأة حية أو شبه ميتة، أو رجل متحول جنسياً لامرأة، أو في حال أخرى شبح لامراة غائبة، هذه التركيبة النسائية نراها عالقة في الحاضر بين ماض مغيّب ومستقبل مرهون به. يقدم المخرج الإسباني نساءه تباعاً في أفلامه برفقة قصصه الألمودوفارية،  عارضاً للعالم صوراً ونماذج لصراعات نسائية لا يمكن نسيانها، ومع كل عمل كان يقدم نموذجاً لحبكة قصصية تقوم على عناصر اشتركت بها أعماله جميعاً، من سمات تميز بطلاته وأبطاله إلى دوافع متقاطعة تسوقها الغريزة، وصولاً إلى طرحه القصصي حيث تلعب الصدفة والموت أدواراً كبيرا في مسيرة حياة شخصياته الرئيسية.

يقتطع ألمودوفار في أفلامه لحظة من الحاضر ويركّب الأحداث وفقها، الحاضر مثقل بالحركة والحياة ولكن يشوبه الصمت الثقيل. نرحل مع شخصياته برحلة عبر الماضي لنرى أبطال فاعلين لم يكونوا عرضة للقدر في خياراتهم وتصرفاتهم وليسوا خاضعين لرقابة ومحاكمة أخلاقية.  الشخصيات عند ألمودوفار تطلق العنان للتعاطف معها دون الحكم عليها أخلاقياً، وهذه صورة الإنسان لديه فنحن نتعاطف مع المنتقم في فيلم “الجلد الذي أحيا به”- The Skin I Live In ونتعاطف مع القاتلتين في فيلم “العودة”- Volver، ونسامح الابنة الهاربة في فيلم “خولييتا”- Julieta.  شخصيات متباينة والكثير من التناقضات التي يمكن ربطها بملامح شبه ثابتة وعلاقات متغيرة على الدوام.

الأم والابن/ة

للأم عند ألمودوفار تقدير كبير بفضل تأثره بأمه وبنساء أخريات، حيث عاش سنينه الأولى في بلد يقوم على جهود نسائه، فبعد الحرب المرأة هي من تحيي الخراب كما يقول، وكان لهذا التأثر دور كبير في سينماه، إذ كان لها نصيب في كل أفلامه: الأم الصامتة كثيرة الوجوه، العاجزة عن النسيان، والتي تدفن الماضي لتعيش حياتها اليوم، والخاسرة بشكل مأساوي، والصامدة كذلك. أمهات ألمودوفار يستطعن التعبير عن كل أم اليوم بتعدادهن واختلاف وجوههن، من فيلم “نساء على حافة الانهيار العصبي” 1988 نشهد قصة خيانة وكذب ونفاق يقودها رجل في مواجهة ثلاث نساء وتقابله إحداهن بالتسامح لنكتشف أنها بانتظار مولود جديد، أما فيلم “الجلد الذي أحيا به” 2011 فنرى الأم الخفية التي تعمل بالسر على مساعدة ابنها الطبيب دون أن يعرف أنها أمه. الابن المحتاج لشخص داعم ومساعد أمين في انتقامه الشرس لم يختر له ألمودوفار إلا الأم، ومع ان الفيلم مقتبس من رواية للكاتب تتيري جونكيه إلا أن المخرج عدّل الكثير ليحول الرواية من موضوعة انتقام  وتقدم العلم إلى فيلم عن رغبة الإنسان وارتباطها بشكله ودعم فيلمه بوضع أم لمساعدة الابن وتحذيره من عواقب فعلته، ففي أفلامه هذه لم تكن الأم الموضوعة الرئيسة إلا أنه لا بد من وجودها، بينما نرى في فيلمه “تحدث معها”- Talk to Her 2002 شبه غياب للأم بشكلها الفيزيائي فقط.

أما في فيلم ألمودوفار الأشهر “كل شيء عن أمي”، طرح المخرج موضوعة الأم بشكل أكثر إشكالية، نحن بصدد مواجهة فيلم نسوي بامتياز، فيلم للمرأة وعنها، شاركه به نجوم رافقوه لاحقاً في العديد من أعماله مثل البطلة الرئيسية سيسليا روث وبينلوبي كروز. يصور لنا ألمودوفار الأم في عمل مستقر برفقة ابنها في مدريد، حياة خالية من أي أثر من ماضي مانويلا- الأم التي تخسر ابنها استيبان في ليلة ميلاده بعد وعدها له بأن تخبره بكل شيء عن والده الذي لا يعرف عنه شيئاً، فيما الابن عازم على كتابة رواية عنها بعنوان “كل شيء عن أمي” مستوحاة من فيلم كل شيء عن حواء ومن رواية “موسيقى للحرباوات”، ولكن القدر يخطف ابنها بعد مشاهدتهما لعرض “عربة اسمها الرغبة”.

الفيلم مقسم لثلاث مراحل تمر بها الأم، تبدأ بالفقدان لتقوم برحلة للماضي ومن ثم التكرار، فالمرحلة الأولى تنتهي بفقدان الابن لنرحل مع مانويلا الأم المكسورة التي تبرعت بقلب ولدها الشاب لشخص بحاجة له، والآن بعد خسارة الأم سبب حياتها الحالية تعود برحلة للماضي لنعرف على قصة رحيلها هاربة من برشلونة لمدريد حاملة طفلها بعيداً عن والده، واليوم ترجع بحثاً عن سبب رحيلها، وفي الرحلة الجديدة يتشكل أمام المشاهد تدريجياً تركيبات نسائية متنوعة ابتداءاً من الممثلة ورفيقتها والراهبة روزا ووالدتها والعاهرة، حيث يشكل صالون مانويلا فضاء لاجتماعهن وكلامهن. روزا أيضاً ضحية لزوج مانويلا فهي أقامت علاقة معه لتحمل بطفله وتصاب بالإيدز، وأغرادو شاب متحول جنسياً وجد فرصته للتعبير عن نفسه عندما ترك له المسرح مفتوحاً فأثار كافة القضايا التي تواجه المتحولين واكتشف قدراته على إضحاك الجمهور، ومانويلا صامتة وحانقة وحاقدة على لولا زوجها الذي أينما حل أتى بالخراب. أما الرحلة الأخيرة فهي رحلة مانويلا لمدريد مع ابن روزا بعد أن حدثت معجزة فلم ينتقل له الايدز فاسمته استيبان وهي تعود أدراجها لتكرر ما مرت به سابقاً.

ألمودوفار.. شيئ عن أفلام وسيرة مخرج استثنائي
جولييتا

على مدى ساعتين، تعج الشاشة بالنساء اللواتي جمعتهن مانويلا، الأم الهاربتين لمرتين من الماضي، وفي كل مرة كان سبب هربها من جحيم برشلونة هو طفل، ليبرز ألمودوفار جانبي الحاجة والرغبة، فأمهاته لا يقدمن الحب كما بالروايات التقليدية بل يتوجهن باتجاه الحاجة.

غدا ألمودوفار مخرجاً نسوياً من الطراز الرفيع بعد “كل شيء عن أمي”، مقدماً صورة الأم المقدسة حتى وإن أخطأت، في مقابل الأب الضال دوماً، وعزّز هذه الصورة في فيلمه “العودة” الذي يبتدأ بمقبرة لذكور قرية تعج بالنساء ويذيع عن نسائها أن الريح الشديدة تمسّهن بالجنون.

في “العودة” نحن بصدد دائرة من التكرار تمتد من الجدة إلى الحفيدة، دائرة من صنع النساء وفي حمايتهن، وهي حلقة معادية للرجال بشكل مبالغ فيه ودائرة تصونها الريح كما يصف الفيلم.

قدم المخرج الموشك على بلوغ السبعين في فيلمه الأخير “خولييتا” صورة مناقضة لصورة أمهاته السابقات، فالأم هنا ضعيفة بحاجة ابنتها، تجسيد للمرأة المهزومة، ولم يكن الفيلم بمجمله معاد أو ذي نظرة حاقدة على الرجل، بل كان تشريحاً لعلاقة الحاجة المتبادلة بين أم وابنتها وتبادل الشعور بالذنب.

العودة للماضي

إلى جانب موضوعة الأم، هنالك سمة مشتركة بين ابطال ألمودوفار، وهي الماضي، الفيلم لديه يبدأ الآن وهنا وليس بحبكة كلاسيكية، وهذا الحاضر عليه أن يخضع للتفسير، ولهذا يعود غالبية أبطاله وبطلاته برحلة إلى الماضي، قد تكون فلاش باك كفيلم “الجلد الذي أحيا به” أو لقاءاً بشخص مغيب كفيلم “العودة”، أو حاجة لكشف الماضي نابعة من الذات كرغبة خولييتا بتدوين حياتها في مذكرات. العودة للماضي مرهونة بهرب سابق أو برحيل، أبطال ألمودوفار وبطلاته غالباً ما يختفون، يتغيرون ويبتعدون، نحن على لقاء دائم مع الهارب، نترقب سبب رحيله وسفره.

الماضي يعج بالكذب والأسرار والإخفاء، هنالك رغبة ملحة بانتظار الحقيقة وبانتظار الخطأ أو الإشكال الذي تخفيه الشخصيات، وكل ما زاد عددها كلما توسعت دائرة المعرفة، فكل شخصية تحمل معلومة مغيبة تكون خلفية الفيلم، الأبطال والبطلات غالباً ما يخشون المعرفة التي ستدمر استقرارهم الحالي، ولكن الرغبة تطيح بهذا الاستقرار.

المنحى الملفت الآخر في أفلام ألمودوفار هو الغرائبية والصدف، فأكثر أفلامه تحركها الصدفة أو بعض الأحداث الغريبة والعجائبية، من الريح التي تثير جنون نساء القرية في “العودة” أو الانتقام الذي خلق من الضحية خليلة للمنتقم، إلى فيلمه القائم على اكتشاف الانثى- “تكلم معها”، حيث يضع المخرج الإسباني رجالاً في مواجهة امرأة في غيبوبة، وببساطة على الرجل التكلم معها ليعرفها، وهذا ما فعله الممرض حيث صنع من مريضته حبيبة له إلى أن قرر الزواج بها وهي في غيبوبة تامة.

وعلى الرغم من كل المآسي والإشكالات التي يستعرضها ألمودوفار، والتي تصل لمرحلة القسوة، تبقى له لمسة أسلوبية تعطي كل قضية جانباً متفائلاً أو حيادياً، ابتداءاً من نظرته الخاصة للتكوين الإنساني ومعالجته لمفاهيم الشر بشكل مختلف، وصولاً لنهاية قصصه التي قد تصبح تراجيدية لولا حبكاته الألمودوفارية المتفائلة بشكل أو بآخر، إلى جانب ألوانه التي تشبه بعضها وتتكرر بالمشاهدة السريعة، وإن كان لكل مشهد ألوان وزخرفات قادرة على التعبير عنه وعن فيلمه.

نبذة عن الكاتب

دانة كريدي

صحفية سورية

Loading Facebook Comments ...