عن سياسات الصناعة الثقافية لداعش

تلاشى، حسب “المنتصرين”، تنظيم داعش في العراق وسوريا، إذ تم القضاء عليه على الأرض، وفوراً بدأت بعدها التفسيرات المرتبطة بهذه الهزيمة، وخصوصاً تلك التي تقول إن التنظيم تحول إلى خلايا نائمة في المنطقة، لكن ما لا يمكن تجاهله أن التنظيم ما زال حاضراً كاحتمال قادر على الظهور مرة أخرى على مساحة جغرافية أخرى مكتفياً بـ”عمليات نوعيّة”. أما ضمن العوالم الرقمية والفضاء الالكتروني  فالتنظيم لم يتلاش، إذ ما زال ينتج “بضائعه” الثقافيّة والإعلاميّة، فهو ذو نسق إنتاج ثقافي لا يمكن تجاهله، وما زالت منتجاته متداولة في الفضاء الرقميّ.

في سلسلة من المقالات، سنحاول  مقاربة المنتجات الثقافية المرتبطة بالتنظيم من عدة زوايا، وإن انخفض الإنتاج ونوعيته بعد “هزائم” التنظيم العام الماضي.

– – –

إحدى أهم الإشكاليات التي تواجهها المؤسسات الإعلامية الرسمية هي وكالة “أعماق” التي تأسست عام 2014، فالتنظيم يمتلك منصة خاصة لنشر أخباره ومنتجاته بالتالي لا يخضع بصورة كليّة لمعايير النشر الجماهيري المرتبطة بالمؤسسات الرسمية، والتي ترفض استخدام المواد البصرية والفيديوية التي تبثها الوكالة، كون الأخيرة لا تراعي الشروط المهنية من جهة، كما أن عملية الاقتباس هذه تمنح التنظيم ووكالته شرعية من نوع ما، في حين أن وسائل التواصل الاجتماعي هي المسؤولة عن عملية تبادل هذه المنتجات كون القنوات الرسمية لا تسمح بذلك غالباً، بل تكتفي بالتعليق أحياناً أو الإشارة إلى ما حدث.

أعماق – وكالة إخبارية تابعة لتنظيم داعش

هذه القدرة على “الوصول” هي التي تميز التنظيم، وخصوصاً أنه مؤهل لصناعة منتجات ثقافية وبصريّة تحاكي تلك الاحترافية منها، هذه البراعة مرتبطة بمؤسسات إنتاج وآليات وتقنيات لا تعتمد على الهواة، بل هي أشبه بالمنتجات البورنوغرافيّة، فهي مصنعة خصيصاً وباحتراف لخلق رد فعل مدروس: الرعب وخلخلة “الحياة الطبيعيّة”، وأشهر الأمثلة على ذلك سلسلة أفلام “ًصليل الصوارم” التي أنتجها التنظيم والتي تحاكي المتلقي الغربي بصور خاصة، ذلك أنها تتبنى أنماط السلوك وإنتاج المعنى التي يألفها المتلقي والمرتبطة بصناعة السينما والترفيه، ولكن واقعياً، هي ليست محاكاة ساخرة، هي بارودي/parody شديدة الوحشيّة من أشكال الهيمنة الثقافية التي اعتدنا عليها. إن كان قطع الرؤوس والقتل في السينما مصمماً بدقة ليبدو واقعياً، فتنظيم الدولة يقطع الرؤوس بالفاعليّة ذاتها، بالدقة ذاتها، دون CGI وشاشات خضراء، وكأن التنظيم يسخر من صناعة الترفيه ذاتها وتقنيات الخدع السينمائيّة.

كأي صناعة ثقافية، تشبه منتجات تنظيم “الدولة “نوعاً ما حركات الـ Avant-garde والحركات الطليعية، هي نظام إنتاج مستقل عن السوق الرسميّ يسعى نحو الاكتفاء الذاتي وخلق أدوات إنتاج خاصة به وقنوات تصريف أيضاً لا تخضع للقنوات الرسمية التي ترفضه بكل الأحوال، هي تطابق تعريف البريطاني رايموند ويليمز للحركات الطليعيّة، إذ يتم توظيف العنف لخلخلة النظام القائم واستبداله عبر استحضار الغرائبي والإيكزوتيكي والشعبي. يمكن أن تكون هذه المقاربة ساذجة أو مفتعلة، لكن وكحالة الحركات الطليعيّة بعد هزيمتها، منتجات التنظيم تحضر في الكثير من الأعمال الفنيّة والثقافيّة “الرسميّة” والمشرعنة، سواء كانت عروضاً مسرحيّة أو أفلاماً بل وحتى وظفت التقنية الاستعراضيّة التي يعمل عليها التنظيم في العديد المنتجات الثقافيّة “سينما-مسرح-موسيقا..” بالضبط كحالة التقنيات التي تبنتها الحركات الطليعيّة.

دابق – مجلة دورية كان يصدرها التنظيم

 يقول البعض إن تنظيم “الدولة” أشبه بـ “أوبر/ Uber للجهاديين”، بإمكان أي أحد أن يستقله أو أن ينضم إليه، وراء هذه النكتة الشعبية  يكمن أحد أهم العناصر المرتبطة بسياسات التنظيم الإعلامية، والذي سيحافظ على حضوره حتى وإن لم يعد له جغرافيا بعد الآن: التنظيم لا يستهدف مناطق سيطرته، بل يتوجه اللآخر/العدو، ينتمي للا مكان ويراهن على ميوعة حضوره بين الواقعي والرقمي، وبالرغم من أنه تلاشى حسب تصريحات الأطراف التي تحاربه إلا أنه مازال ذا حضور ثقافي، وأداة للرفض الجذري المتشدد لكل ما هو قائم، وهذا ما يتضح من عملية سانت بيترسبرغ الأخيرة في روسيا والتي تبناها التنظيم، فالهزيمة على الأرض لا تعني إيقاف الإنتاج الثقافي بل تفتح الأبواب على احتمالات أخرى وآليات أخرى.

نبذة عن الكاتب

عمار المأمون

صحفي سوري مهتم بالشأن الثقافي في المنقطة العربيّة

Loading Facebook Comments ...