رافي وهبي ينقذني من فرقة الدبكة

مع بداية انتشار الفضائيات العربية ووصولها بزخم متسارع إلى سوريا، اكتشف مسؤولو القناة التلفزيونية السورية، في منتصف التسعينات، أنهم في ورطة، وعليهم أن يغيروا شيئاً ما في عملهم كي يستطيعوا البقاء في سوق البث التلفزيوني. بدأت القناة الأولى في تلك الفترة ما يشبه استطلاعاً لآراء السوريين لمعرفة ما يرغبون به من تغييرات في قنواتهم الوطنية.

كنت أشاهد أحد تلك الاستطلاعات عندما تمنيت لو أنهم يتعثرون بي في أحد شوارع دمشق ليسألوني عما أرغبه كمواطن ومشاهد من تغييرات كي أبقى متابعاً. كنت أعرف أنهم لن يبثوا إجابتي ومع ذلك كان بالغ الإغراء بالنسبة لي أن يسألوني كي أحاول بكل ما أوتيت من قهر أن أرمي في وجوههم كل ما راكمت من نقمة.

“لا تغيروا أي شيء أبداً”. كنت سأجيبهم. “تحملناكم عشرات السنوات وأنتم تقدمون لنا تفاهاتكم دون أن نخطر ببالكم، ودون أن تنتبهوا أو تهتموا لرأينا، ابتلعنا لسنوات كل “غلاظاتكم” لانعدام وجود أي بديل. أما اليوم، فإلى جهنم أنتم وقناتكم، قناة البرامج التي تم تفريخها في مبنى القيادة القطرية.. أرضنا الخضراء، مع العمال وبرامج الاتحاد النسائي والشبيبة والطلائع. فاليوم وقد صار لدي مائة بديل، لم يعد مهماً بالنسبة لي ولا لعموم السوريين إن تغيرتم أو لا. ابقوا كما أنتم تماماً، تلفزيوناً سطا عليه لصوص السلطة وحولوه إلى جثة”.

خطر ببالي كل هذا يوم أمس وأنا أتابع التجربة الجديدة للدراما التي بدت لي وللكثيرين أنها كسرت كل القوالب المعتادة. تجربة الفنان السوري رافي وهبة وفريق عمله، مع العمل الدرامي “بدون قيد” الذي اعتمد وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال منتجه الإبداعي بدلاً من الانتظار على عتبات شاشات الأنظمة وشركات القطاع الخاص التي لم تستطع أن تخرج من تحت أجنحة حكوماتها الأمنية واللاهوتية.

بغضّ النظر عن المحتوى الذي اختلف عليه المشاهدون وهاجمه بعضهم، وهذا متوقع لأي جديدٍ وصادم وغير مألوف، “العمل أرضاني شخصياً”، فقد كان همي الأول أن هذا المحتال الجميل رافي وهبي وزملاءه قد اجترحوا لنا نحن جموع المشاهدين العرب المساكين طريقاً جديداً لننجو من شاشات الرقابة السياسية والأخلاقية البائسة. وقبلَنا نحن المنكوبين بمسلسلات الأجزاء التي لا تنتهي، فهو أتاح للمبدعين أن يحذوا حذوه ليصلوا إلى مشاهديهم عبر هذا النمط العالمي للتواصل دون رقابة ودون قيد. طبعاً ربما تجد الحكومات طريقة للمنع، وهي مشهود لها بالقدرات الاستثنائية في هذا الحقل، لكنها مع سرعة الانتشار، وهذا ما أتوقعه بل وأتمناه، سوف تنهار دفاعاتها ليطغى هذا النمط.

اليوم أيضاً، قد يخطر ببال القنوات أن تجري استطلاعات رأي لتسألنا نحن (أعزاءها) المشاهدين عما نرغب ونريد كي نتابع مسلسلاتها الركيكة التي لا تقدم شيئاً ولا تقول شيئاً، وعندها سأتمنى ثانية أن يتعثروا بي في أحد الشوارع ليسألوني السؤال الذي لن يبثوا جوابي عليه: اذهبوا إلى الجحيم أنتم ومسلسلاتكم، وابقوا مع سيناريوهاتكم التي تصلح لتحرض منعكس الإقياء في البلعوم أكثر مما يمكن لها أن تحرض الذائقة الفنّية، فقد تحملناكم حتى الإرهاق، وحتى استقال معظمنا من متابعتكم قبل سنوات، ناجين بأنفسنا قبل أن تزهق مسلسلاتكم ذائقتنا. ما شأني بكم بعد اليوم، ونحن نتلمس بدايات طريق جديد سوف يغنينا ذل سؤالكم. ما شأني بكم، وقد بات لدي أمل أن هذا الاختراع الذي جاء وليد الحاجة الملحة للنجاة منكم ومن كارثة قياداتكم القطرية التي تغطي كامل مساحة البث العربي. اذهبوا إلى الجحيم، وابقوا كما أنتم بلا طعم ولا لون ولا قوام. ابقوا داخل باب حارتكم وتابعوا عدَّ الأجزاء حتى المائة لو شئتم.

لست ناقداً فنياً لأقدم ملاحظاتي على السيناريو أو الإخراج ولا حتى التصوير، فأنا اليوم مشاهدٌ استمتعَ بما تابعَ، وهذا أرضاني حالياً وملأني سعادة بهذه التجربة. وأنا كمتلقٍ سوري سيكفيني راهناً، أن هذا النمط من الإنتاج الدرامي سوف ينتقم لي ولأمثالي، كما آمل، من تاريخ مخزٍ تسيده بسام الملا وزملاؤه الأفذاذ في فرقة دبكة التلفزيون السوري.

نبذة عن الكاتب

مالك داغستاني

كاتب وصحافي سوري

Loading Facebook Comments ...