دفاعاً عن مصر لا عن المثلية الجنسية

المقال المقروء:

—-

من المتوقع أن تُفرج السُلطات المصرية خلال الأيام القليلة القادمة عن الدفعات الأولى من المعتقلين الذين حُكموا على خلفية الحملة التي طالت مئات المثليين الجنسيين المصريين قبل شهور، بعدما رفع بعضهم علم المثلية أثناء حفلة لفرقة مشروع ليلى اللبنانية.  حيث طالتهم حملة اعتقالات واسعة، ثم حُكِموا بمُدد سجنٍ تتراوح بين ستة أشهر وخمسة سنوات.

ما يجب أن تتوقعه السُلطة والمؤسسة القضائية المصرية من عملية المُحاكمة والحجر عبر سجن هؤلاء المحكومين هو واحدٌ  من أمرين تقليديين عادة تتوقعه وتهدف إلية أية سُلطة من جراء سجنها لبعض أفراد المُجتمع:

أما أن تتوقع بأن يغير هؤلاء المحكومون من سلوكياتهم التي كانت المُحكمة تراها “ضارة” تجاه المُجتمع المصري. وهو أمرٌ مُستحيل بكُل شكل؛ لأن هؤلاء المثليين لم يكونوا ذوي سلوكيات خاصة في حياتهم المُجتمعية أساساً، بل كانوا أعضاء عاديين، موزعين على طيف من السلوكيات المُجتمعية، مثلهم مثل أي فردٍ أو جماعة أخرى. فخياراتهم الجنسية لم يكن لها أي رابط بعلاقاتهم وسلوكياتهم وأساليب تفاعلهم وانتاجهم المُجتمعي، ولن تكون كذلك مُستقبلاً. لذا، ليس لأي كان أن يتوقع منهم تغيراً جوهرياً في ذلك الإتجاه، لأنهم اساساً لم يكونوا إلا طبيعيين في حياتهم المُجتمعية.

بالمقابل، فالموقف المُجتمعي الجديد الوحيد المتوقع منهم، هو فقط المزيد من العُزلة والسلبية، كردة فعلٍ على ما مورس ضدهم من تعنيف لفظي وجسدي ووجداني، خلال المُحاكمات وشهور السجن تلك.

الأمر الآخر الذي يتوقعه السجانون تقليدياً، هو تغيير المُعاقب لسلوكه وخياراته تجاه نفسه، أو ما يسمونه في وزارات الداخلية بـ”السجن إصلاح وتهذيب لا عِقاب”. وهو أمرٌ آخر يستحيل حدوثه مع المثليين. فالمثلية ليست مرضاً بأي شكل، كما تؤكد جميع الدراسات العلمية المُحكمة، هي فحسب خيار وسلوك ذاتي في الحياة الخاصة جداً، فقط لا تتفق مع خيارات الأغلبية الباقية من المُجتمع. حيث لم تعرف نفس الأبحاث والدراسات العلمية أية حالة تم فيها تغيير هذا “السلوك الخاص” والخيار الخاص عبر “العلاج” بالنسبة للذين يعتبرونه “مرضاً”.

لكن خلال الفترة ذاتها التي خاضت فيها السُلطات المصرية حملتها العنيفة ضد المثليين الجنسيين، فأن ثلاثة تحولات جوهرية طرأت على الحياة العامة المصرية:

تحول نِظام الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سُلطة حُكم بديهية ومُطلقة. فالنقاش السياسي والمُجتمعي والثقافي المصري لم يعُد يتمركز حول هذه السُلطات وشرعيتها وسلوكياتها، بل فقط عن بعض الرتوش التفصيلية المتعلقة ببعض الوزارات والمؤسسات العامة، شيء تقليدي مثل باقي دول الاستبداد التقليدية. لم تعُد مصر سياسياً إلى زمن ما قبل ثورة يناير وخسرت كُل مكاسبها فحسب، بل تراجعت للزمنين الساداتي والناصري، حينما كانت الزعامة البديهية هي التي تحكُم، والكلام والجدال العام يتلهى بالتفاصيل غير المؤثرة فحسب.

كذلك تم تعويم الجنيه المصري، الذي تدنت قيمته خلال أيامٍ قليلة فقط إلى ما دون ثلث القيمة التي كانت عليه. هذه العملية التي كانت على حِساب الطبقات الاجتماعية الأكثر فقراً وهامشية، الذين يتجاوزون ثُلث سُكان مصر، من الذين يعتمدون أساساً على قوة الدولة في دعم المؤسسات العامة والمواد الأولية، والذين يتم التخلي التدريجي التام عنهم، ليكونوا وقوداً وعُرضة لاستغلال المؤسسات الاستثمارية الجديدة، التي تسعى للاستفادة من تدهور قيمة العمل ومكانة العُمال في مصر.

أخيراً فأن العمليات الإرهابية تصاعدت لتطال جميع البقاع المصرية تقريباً، في سيناء والواحات الغربية والقاهرة والإسكندرية، بعدما فشل النِظام السياسي والأمني والاقتصادي المصري في تفكيك شيفرة هذه العمليات الإرهابية، خلا خطابات عنيفة توجه اللوم للقوى الخارجية المُبهمة التي تُعادي مصر، حسب اعتقادها.

هل من رابط بين ما صارت تعانيه مصر في كافة أشكال الحياة العامة خلال سنته الأخيرة وبين السلوكيات القاسية والأحكام الجائرة للسُلطات المصرية تجاه المثليين المصريين!!.

دون شك نعم. فالخيط غير الرفيع الجامع بين الأمرين هو تدهور قيمة الحُرية ومكانتها في الحياة العامة في مصر. والدفاع عن الحُرية وحق المُجتمع بها هو دفاعٌ عن مصر، بما في ذلك حق مواطنيها بأن يكون لهم خيارات جنسية مختلفة، أياً كانت، طالما لا تعتدي مادياً على المُجتمع وتؤثر عليه.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...