عندما وجد خضّور آثاراً في ضيعتنا

وكان أن أراد ابن عمي الزواج وبدأ بتأسيس البيت بحفر جور الأساسات، وكما أغلب عادات القرى ساعده في عمله أغلب أولاد العمومة والجيران وبعض شبان القرى المجاورة الذين أتوا تقرباً من حبيباتٍ لهم في ديارنا.

وبعد أيام من الحفر الذي استمر من إشراق نجمة الصبح وحتى احتداد شمس الظهيرة، أعاقت الحفارين جرار فخار كبيرة عليها أثر زيت فتوقفت الورش للتباحث، هل هي رومانية أو تدمرية، كم عمرها؟ وماذا نحن فاعلين؟

إن اخبروا دائرة الآثار ذهب البيت والأرض وماحوله دون تعويض.

وإن أخفوا الأمر طُمست معالم قد تكون ذات أهمية، خاصةً وأنه على الجبل القريب كانت تربض قلعة، تم تفكيك حجارها أوائل القرن العشرين لبناء بيوت القرية المتاخمة لقريتنا.

ولأن الكلمة العليا هي للرفيق البعثي وللشيخ الجليل ولابن العميد الذي يزور القرية للتباهي بسيارة المازدا ذات اللوحة العسكرية، فقد قرروا استكمال الحفر باحتراس ورفع الآثار برفق ليتم بيعها للدول الاستعمارية ماعدا اسرائيل.

لم تبق بالطبع أية قطعة من جرار الفخار سليمة واندلق زيت الأيام الغابرة على أحذية الكاوتشوك التي يرتديها شبان القرية، وتبخرت أحلام الإتجار بالآثار تبخر الماء على مصطبة في شمس تموز.

وسرت هلاوس العثور على كنز بين أبناء ضيعتنا، فتكاد ترى الرعيان والأطفال والعجائز حتى أولئك المصابين بالديسك والروماتزم ملتصقي الرقاب بحجار الطرق الترابية أملاً بمصادفة أي أثر من الأسلاف، لعلنا ننال منهم ورثةً غير النكبة والنكسة ومفاخر الكرم وجرائم الشرف وتهليلهم لانقلابات العسكر.

وكانت حمى البحث عن حدوة فرس او كلسون فارسٍ همام أن بلغت أوارها، حتى جاء الراعي خضور الذي أذهبت عقله قصة حب عنيفة من طرف واحد مع لبابة ابنة عازف المجوز وخصّى الحمير محرز.

فكمر خضّورنا هذا جلبابه في دكة الكلسون وركض باتجاه القرية وقد علا صراخه” وجدت آثاراً في المرعى وسأظفر بعد تهريبها بلبابة”، فاجتمع الفلاحون والأعيان على بعيق خضور ليروا التحفة التي وجدها فإذ بها  كتاب قديم بوريقات مصفرة وممزقة.

تحرى صفحاته شيخ القرية والمختار وعضو قيادة شعبة الحزب ممن يعرفون القراءة، فوجدوه كتاب التربية القومية للصف التاسع، فسألوا خضور: وكيف وجدت هذا الكنز الآثاري. فأخبرهم : كنت أريد أن أقضي حاجة في البرية فنبشت التراب بحثاً عن حجرٍ أملس امسح به فوجدت هذا الكتاب العظيم فاستعملت منه ورقتين للتشطيف وجئتكم بالباقي.

نبذة عن الكاتب

يامن حسين

يامن حسين: صحفي وشاعر سوري يقيم في ألمانيا. صدر له ديوانه الأول في نوفمبر 2017 بمنحة انتاجية من مؤسسة المورد الثقافي بعنوان "3439 كم ندباً إلا السرّة" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

Loading Facebook Comments ...